الأربعاء، 8 مايو 2013

المُولـِدْ: الأقمار الصناعية تكشف عن مجمع البحرين المذكور بالقرآن

الأقمار الصناعية تكشف عن مجمع البحرين المذكور بالقرآن




أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بسيناء ووجه بحرى أن مجمع البحرين المذكور بسورة الكهف من الآية 60 إلى 82 يقع بمنطقة رأس محمد بشرم الشيخ عند نقطة التقاء خليج العقبة وخليج السويس بجنوب سيناء مستنداً للدراسة العلمية للأثرى عماد مهدى عضو جمعية الأثريين المصريين والمسح التصويرى الفضائى باستخدام تقنية تصوير الأقمار الصناعية التى حددت موقع لقاء نبى الله موسى والخضر عليهما السلام على أرض سيناء منذ حوالى 3200 سنة تقريبا وأن التوصيف اللغوى لكلمة مجمع البحرين لا ينطبق جغرافياً على أى مكان فى العالم إلا فى رأس محمد وهى مجمع خليجى العقبة والسويس فى بحر واحد هو البحر الأحمر.

ولفظ مجمع يختلف عن لفظ التقاء ويضيف الدكتور ريحان بأن الأقمار الصناعية كشفت عن موقع صخرة الحوت نقطة اللقاء بين نبى الله موسى والرجل الصالح الخضر وهى الصخرة الوحيدة التى تتوسط طريق الدخول لرأس محمد وتقع فى خط مستقيم فى طريق الوصول لأخر نقطة فى اليابسة فى موقع مجمع البحرين.

وكما هو موضح بالخريطة فإن المسافة المرجحة التى قطعها الحوت من الصخرة حتى المياه العميقة تبلغ حوالى 2كم والمسافة التى قطعها نبى الله موسى من نفس الصخرة حتى نقطة الارتداد واكتشاف فقدان الحوت توازى نفس المسافة 2كم.

ويشير الدكتور ريحان لكشف الممر المائى للحوت الذى حدد القرآن الكريم الطريق والطريقة التى أتخذها الحوت مرتين مرة فى قوله تعالى (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبا) ومرة (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً) وفى الآيتين جاء الذكر والتأكيد على اتخاذ الحوت سبيلا للخروج من المياه الضحلة إلى المياه العميقة باتخاذ السبيل وتعنى الطريق.

وقد وصف القرآن معجزة شق الطريق إلى البحر وعودة الحياة للحوت والمعروف بمنطقة الخليج الخفى بجنوب رأس محمد وهذا يفسّر وجود مجرى مائى دائم فى منطقة الخليج الخفى برأس محمد ويضيف الدكتور ريحان أن الأقمار الصناعية كشفت عن الرصيف البحرى التى رست عليه سفينة العبد الصالح الخضر وهو الشاهد الأثرى على تأكيد موقع مجمع البحرين برأس محمد ومنه تم تحديد خط سير السفينة إلى رأس محمد وتحديد وجهتها ويقع هذا الرصيف على بعد 300م من صخرة اللقاء ويجتاز هذا الرصيف الجدار المرجانى على الشاطئ لمسافة 50م حتى الغاطس وعرضه من 6 إلى 8م ويتكون من صخور جرانيت وحجر رملى منقول ويتوسط الرصيف البحرى القديم شاطئ الميناء على الساحل الغربى لرأس محمد والمطل على خليج السويس على شكل نصف دائرة مساحتها حوالى كيلو متر واحد.

وعن خط سير سفينة الخضر يوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن أحداث التاريخ تؤكد أن السفينة كانت قادمة من خليج السويس وفى طريقها لخليج العقبة وذلك لوقوع خليج السويس تحت سيادة مصر القديمة الدولة ذات النفوذ الكبير بالمنطقة والتاريخ المصرى لم يسجل أى أعمال قرصنة فى البحار بينما يختلف الوضع فى خليج العقبة والبحر الأحمر وقد كانت منطقة مهددة بأعمال القرصنة البحرية لوجود دويلات صغيرة على جانبيها مثل حضارات سبأ وحمير فى اليمن والثموديين واللحيانيين فى شمال الجزيرة وقد سجل التاريخ فى غضون العام 1200 قبل الميلاد حدوث إضرابات فى منطقة الشرق الأدنى القديم بسبب هجرات الشعوب الهندو أوربية.

كما أن البحر الأحمر عرف منذ أقدم العصور كأحد طرق التجارة القديمة وقد سجلت الآثار المصرية سفن لم تكن معروفة فى وادى النيل وقد وفدت إلى مصر شعوب فى هذه السفن ووصلوا من الجنوب ومن الشرق واتخذوا طريق ( القصير- قفط ) فى رحلاتهم وقد سجلوا رسوما لسفنهم على صخور بعض دروب الصحراء الشرقية.

الثلاثاء، 7 مايو 2013


مدرس الخصوص.. والفتنة النائمة (4)


بقلم: على جاد


مازلت فى مكتب وكيل المدرسة أنظر إليه وهو يعض بالنواجز على حروف كلمة (أمن الدولة).. كان ذكر اسم هذا الجهاز كفيلا بأن يجعل الثلج نارا والقط فأرا والعمار خرابا، وتهديدا بالضياع والعدم وشطب أسماء الناس من كشف الأحياء..

 قلت للوكيل: فى الفصل 40 تلميذا لن يقولوا إلا الصدق.. أريد أن تصعد لهم وتسألهم إن كنت قلت هذا الكلام أم لا، وتركته ومضيت وفى قلبى حزن شديد لما يحدث، فلم تصدر منى أى إساءة للدين المسيحى، ولم أتلفظ بهذه الكلمات التى لا تصح أن تخرج من مدرس لغة عربية وتربية دينية، ولا يقوله حتى الجاهل.

وقضيت طوال اليوم فى وقفات جانبية مع كل زملائى المدرسين الذين يزيد عددهم على العشرين مدرسا.. كل واحد فيهم كان يحدثنى حديثا خاصا ومختلفا عن الآخر ما بين نصيحة بترك المدرسة ومدينة الخصوص، وبين تهديد وخوف ورعب ووعيد.. أشياء محبطة، فالكل كان حريصا على ألا يخطئ أو يعيب هذا الفعل بالرأى الذى قد يؤدى به إلى المساءلة، وما أدهشنى وأكد الضعف والخوف الذى نعيشه وقتها إشاعة اليد الخفية التى تتحكم فى اقتصاد ومصائر الخلق ومعيشتهم فى مصر عندما قال لى أحد الزملاء "الناس دى مسنودة..".

وأخذ يذكرنى بأمريكا ويدها الطولى التى تمتد معنا فى كل شىء بطريق مباشر وغير مباشر، وشعرت وكأننى لو تمسكت برأيى فقد تغضب صاحبة المعونة، ووقتها قد تمنعها وأكون سببا فى حرمان الكثير من الفقراء من رغيف الخبز الذى نستورد قمحه من أمريكا، وهو أقل ما يأكله الفقراء ليردوا جوعهم الدائم، خاصة فى تلك الأيام التى أعقبت دخول أمريكا العراق وتشتيت شعبها.
توسعت الأفكار والهواجس بعقلى وتضارب الآراء.. يأخذنى التفكير لأشياء غريبة وإذ بى أئد كل ما يشغل رأسى وأسير بين فصول المدرسة وطرقاتها مرفوع الرأس.. سمعت تلميذا يقول لزميله: "الأستاذ على هيودوه ورا الشمس".. فشعرت بسكين يغرس فى قلبى، حتى الخوف ولد مع الصغار! وأخذت أصد كل من يقابلنى بردود قاطعة، ولم أتقوقع على نفسى وأدفن رأسى فى التراب، وطلبت منهم إيصال الموضوع إلى أخر الدنيا فلن أخشى شيئا.

وإذ بناظرة المدرسة تطلب منى أن أهدأ، فهى لا تريد أن يصل الأمر لأمن الدولة والكنيسة، وطلبت دون علمى بتجهيز لجنة من مجلس إدارة المدرسة يكون فيها الأساتذة هانى قدوس وعيد نسيم وعز ميخائيل.. الثلاثة المتمسكون بإحالة الأمر لـ(جهاز أمن الدولة)، ودخلوا فصل أولى سادس وبدأوا فى استجواب التلاميذ، وكان على رأس اللجنة ناظرة المدرسة.. بعد ذلك علمت بما دار داخل الفصل، حيث شهد التلاميذ من الطرفين بأننى لم أقل ما قرأته الناظرة عليهم، وهو ما كتبه أولياء الأمور فى المذكرة، وقالوا إنه كذب ولم أتكلم إلا عن المعجزة التى ظهرت فى وسائل الإعلام العالمية، والتى أذهلت العالم وهى مشاهدة رواد الفضاء الأمريكية لوكالة (ناسا) أثناء دورانهم حول الأرض والتقاط صور للكرة الأرضية من فوق سطح القمر، فوجدوا أن الكرة الأرضية كلها مظلمة تماما، ولم يجدوا فيها شيئا مضيئا إلا مكانين فقط، وهما الكعبة المشرفة بمكة وقبر الرسول (صلى) بالمدينة، وأزاعوا الخبر مضطرين عندما صرح به أحد علماء الفضاء الموجودين بالرحلة، وكان هذا الحدث مرتبطا بآية فى المنهج الدراسى فى قوله تعالى:" يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا....".

البقية الأسبوع القادم إن شاء الله  

نشر  بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 12 مايو 2013

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/208536.aspx

مدرس الخصوص.. والفتنة النائمة (3)


بقلم: على جاد

بسبب خطأ فنى فى طريقة النشر الالكترونى تأخر مقال الأسبوع الماضى 15 ساعة عن توقيت نشره، واقترح مدير تحرير الموقع علىّ أن ينشر فى اليوم التالى حتى يظل 24 ساعة كاملة منشورا، لكنى فضلت نشره الـ 9 ساعات الباقية من اليوم لأظل عند الوعد بإكمال ما بدأته..

اللقاء الفاتر غير المعتاد من زملائى بالمدرسة خاصة الأستاذين عيد نسيم وهانى قدوس اللذين كنت أحبهما واحترمهما وأتبادل معهما الحديث فى كل شىء زادنى توترا، حيث كانا يقابلانى دائما بابتسامة عريضة كنت أظنها ابتسامة صافية نابعة من القلب، ولم أفكر ولو للحظة أن أفسرها غير ذلك.. ابتسامة الأخوة فى بنى الإنسانية وأولاد آدم، حتى ولو كانت الديانة تختلف.

كان الأستاذ هانى قدوس يتمنى ألا يمد يده لولا أن دفعته ليضعها فى يدى وهو يمقتنى ويمقتها، أما الأستاذ عيد نسيم فكست وجهه نفس الابتسامة وكأن شيئا لم يكن، صعدت الى الدور الثالث حيث ميعاد الحصة الأولى فى فصل (أولى أول)، وفى أثناء شرح الحصة فاجأنى الأستاذ عز ميخائيل واقفا على باب الفصل، وبلهجة غاضبة ودون أن يسلم علىّ قال: "وكيل المدرسة عايزك فى مكتبه"، أيقنت على الفور أن هذا الاستدعاء بخصوص ما قيل.

وما أن وقفت أمام الأستاذ (أحمد عرفة) وكيل المدرسة حتى وجدته يلتفت يمينا ويسارا ثم قام من مكتبه متجها إلى باب الحجرة أغلقه واقترب منى متحدثا بصوت خافت "ايه اللى انت عملته ده؟!! انت عايز تودى نفسك فى داهية"، ثم دار حولى نصف دائرة حتى قابله كرسى مكتبه فجلس عليه واضعا يديه فوق سطح المكتب كالمتأهب لمفاجأة، رددت بنفس الاسلوب واضعا يدى على مكتبه "ماذا قلت؟! " مد يده فى عجالة وخلع نظارة الشمس التى لا يخلعها ليلا ولا نهارا ليرينى حمرة عينيه أو كما يقال فى المثل الشعبى "وريه العين الحمرة"،وبدأ يقص (الكدبة):
 "قلت فى فصل أولى سادس إن سيدنا عيسى بن مريم سوف يسجد لسيدنا محمد وأن دين الإسلام خير الأديان، وأنه الدين الحق وأن ما عداه باطل"، ثم وضع سيجارته فى طفاية السجائر الخشبية التى تفوح منها رائحة التبغ المحروق، وفتح درج مكتبه وأخرج ورقة لا يظهر لها بياض من كثرة ما هو مكتوب، وبدأ يقرأ ما فيها حتى وصل إلى "وقد قام المدرس المذكور بالاستهزاء بالدين المسيحى والسخرية منه واتهم المسيحيين بأنهم كفرة ومصيرهم النار وأن المسيح سوف ينزل فى أخر الزمان ويسجد لمحمد ....."، أشرت بيدى (كفا) وسألته فى استنكار "أهذا الكلام قلته فى الفصل؟! "فهز رأسه كالذى يطرب لحديث قائلا فى تعجب:"يقولون أنك قلته"، بدأ صوتى يعلو وسألته مندهشا "من الذى قال؟!".. "العيال المسيحيين فى فصل أولى سادس، "ومن الذى كتب هذه الورقة؟".. "أولياء الأمور ويريدون أن يرفعوا الأمر لـ(جهاز أمن الدولة)"..

البقية الأسبوع القادم.. إن شاء الله
      
نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 29 أبريل 2013

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/207240.aspx


مدرس الخصوص.. والفتنة النائمة (2)

بقلم: على جاد


فى مقال الاسبوع الماضى حاولت أن أضع مقدمة منطقية لما سأتحدث فيه بعد ذلك، وكان لابد من شرح الظروف التى جعلتنى أعمل فى مدرسة الخصوص وأسكن فى (حارة المسجد الكبير، عطفة المشد) وسط منطقة الخصوص، وما كتبته حقيقة أنقلها بأمانة للقارئ، حتى وإن كانت هذه الحقيقة صادمة أو مزعجة، فالمشكلات لا تحل إلا بالمواجهة وحيادية النقل والتناول الصحيح للحلول المطروحة.

فقد صدمنى تعليق الدكتور (بطرس الجاولى) على المقال السابق، ولفت انتباهى إلى مشكلة نظنها هينة، وهى التفرقة بين تلاميذ المدارس أثناء حصة التربية الدينية، وما لهذه التفرقة من أثر نفسى سيئ يلازم الإنسان طوال حياته، اقرأوا التعليق رقم (1) فى المقال السابق، ولو أننى كنت أتمنى نشره اليوم، لكن التزما بإكمال ما بدأته سأتحدث عن باقى الحكاية أولا.

كانت الحصة التى اجتمع فيها التلاميذ العشرة يوم الأربعاء الموافق 17 مارس 2004 هى بداية الفتنة، ولم أعرف ذلك إلا فى اليوم التالى عندما دخلت المدرسة باكرا، وكنت حريصا على حضور طابور الصباح لأقف خلف الطالب الذى يقرأ القرآن الكريم فى الإذاعة المدرسية لرده حينما يخطئ، بعدها أسير بين التلاميذ الذين أصبح بينى وبينهم ألفة ومحبة واحترام، ليس لتلك العصا التى فى يدى بل لشخصى الذى نال احترامهم.

بعد انتهاء الطابور قابلنى الأستاذ أحمد محمد (مدرس مادة الانجليزى)، كانت ملامح وجهه تحمل غضبا لم أعتده منه ولم أره من قبل، سألته عن السبب فقال (إيه اللى قلته فى فصل أولى سادس امبارح فى حصة الدين؟!)، تعجبت من غضبه (ما الذى قلته؟!)، اقترب منى أكثر وهمس فى أذنى (العيال المسيحيين بيقولوا إنك تعيب فى دينهم، وتقول إن سيدنا عيسى سوف يسجد لسيدنا محمد، وإن باقى الفصل من العيال المسلمين ضحكوا عليهم).

ابتعد خطوة للوراء وزادت نبرة صوته حدة (انت كده يا أستاذ على سوف تلقى بنفسك فى الهلاك وتسير فى طريق لن تستطيع تحمل عواقبه)، ثم اقترب منى ثانية هامسا (العيال أكدوا لى أن أولياء أمورهم سيرفعون الأمر للكنيسة وأنهم سيبلغون عنك أمن الدولة، وكتبوا مذكرة يتهمونك فيها بأنك تزدرى الأديان وتحرض على فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين).

تمركزت عيناى فى رأسى دهشة وذهولا مما سمعته، للوهلة الأولى شعرت بالخوف من هذا الحديث؛ لأنى وحيدا فى هذه البلدة لا عائلة ولا أقارب ولا أصدقاء، لكن سرعان ما تبدل الخوف إلى شجاعة وهمة وتحدى، ليس لأنى فتوة أو قريبى اللواء فلان أو علان، ولكن لأن ما قيل أكذوبة مختلقة من العيال ومسكوا فيها الكبار، وبدأت أسمع التهديدات من زملائى المدرسين، وكان زعيمهم فى هذا الموقف الأستاذ عيد نسيم (مدرس الرياضة)، والأستاذ هانى قدوس (مدرس الدراسات).

البقية الأسبوع القادم.. إن شاء الله

نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 23 أبريل 2013

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/206098.aspx

مدرس الخصوص.. والفتنة النائمة (1)

بقلم: على جاد


لم أكن أفكر فى نشر هذه الحكاية وقد مر عليها ما يقرب من 9 سنوات، لكن أحداث الخصوص الأخيرة جعلتنى أقلب البيت رأسا على عقب بحثا عن (الأجندة السوداء) التى صحبتنى فى تلك الفترة، أدون بها بعض الملاحظات عن الحياة والبشر، وأحيانا كنت أدس بين صفحاتها شيئا من مذكراتى الشخصية.. فما أجمل أن تخاطب الورق وتصاحب القلم لتبث همومك وأوجاعك دون انتظار رد أو مشورة أو لوم.. أنت فقط تسجل أحداثا قد لا يقرأها غيرك، ربما فى يوم ما تعود إليها وتجد حنينا لتذكرها أو إحساسا بالسخرية من لعبة الأيام مع البشر.

وجدت (الأجندة السوداء) بعد عناء من البحث وصراخ وتوسلات زوجتى بأن أعيد ما (كركبته) لمكانه، لكنى لم أفعل.. حملت الأجندة بين يديى وسرت بتؤدة وكأنى أحمل رضيعا أهدهده وأتأمل ملامحه.. كانت عيناي تلتهم الورق وتدقق فى سطور الحبر الباهت بشغف بحثا عما كتبته عن (الفتنة) التى عشتها فى مدينة الخصوص يوم الخميس الموافق 18 مارس 2004(هكذا سجلت التاريخ واليوم فى الأجندة) وكنت طرفا أساسيا فيها بل كنت من أيقظها دون قصد.

بدأت الحكاية بالبحث عن عمل.. طفت فيه كل الصحف المصرية، الكل رحب، ليس لموهبتى الفذة فى الكتابة، لكن لأنهم لا يعطون أى فلوس؛ بمعنى (أهلا بك للتدريب بدون مقابل)، وكان ذلك صعبا بالنسبة لى، حيث تركت بلدتى وأتيت إلى القاهرة سعيا وراء حلم العمل فى بلاط صاحبة الجلالة.

وبعد أن فقدت الأمل فى أن أجد عملا بمقابل فى الصحافة لم أجد أمامى إلا البحث فى وزارة التربية والتعليم، ومن إدارة لإدارة رمانى القدر فى (مدرسة الأمير الإعدادية بنين بالخصوص) أعمل مدرسا بالحصة، كانت الحصة وقتها بـ 175 قرشا.. أظل 45 دقيقة (أبح) فى صوتى شرحا للعيال؛ ولأن مدير المدرسة يعرف أن مدرسى الحصة (غلابة) كان يعطينى 6 حصص فى اليوم.. وأخر اليوم الدراسى أعطى درسا خصوصيا فى مجموعات التقوية التى كانت تنظمها المدرسة.

كان فصل 1/6 (أولى سادس)هو الفصل الأساسى فى جدول حصصى، أعطيه حصة اللغة العربية كل يوم وحصتى التربية الدينية أسبوعيا، وكان به 40 طالبا منهم عشرة طلاب مسيحيين، وكان من المتبع فى حصة التربية الدينية أن يخير الطلاب المسيحيون بين الحضور أو الذهاب إلى فناء المدرسة، وكنت بدورى قبل بداية حصة الدين أترك باب الفصل مفتوحا ليخرج من يريد الخروج، وكانوا جميعا يخرجون، وفى ذات يوم خرج 6 طلاب وبقى 4، فقلت لهم: (حابين تحضروا الحصة) فأجابونى بـ(نعم) وتكرر هذا الموقف أكثر من مرة، وفى إحدى المرات وجدت الطلاب العشرة يحضرون الحصة جميعا.. وبعدها وقعت الفتنة.

البقية الأسبوع القادم.. إن شاء الله

نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 15 أبريل 2013

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/204591.aspx

الخميس، 8 سبتمبر 2011


شاهد عيان على الأربعاء الدامى (بالفيديو)

فى الساعة الثالثة والنصف تقريبا من يوم الأربعاء 2/2/2011 كنت فى ميدان رمسيس وسط جموع الثورة المضادة، ومشيت معهم فى شارع الجلاء، كان الموقف مثيرا وينذر بكارثة إذا دخل هؤلاء المأجورون ميدان التحرير، فى بداية الأمر ظننت أنهم سيسيرون باتجاه كورنيش النيل للتظاهر والتعبير عن رأيهم، لكن عندما دققت فى وجوههم تأكدت أنهم غير طبيعيين وعلى وجوههم تظهر علامات الشر والبلطجة، وزاد يقينى عندما رأيتهم يحملون الحجارة والعصى، وفى يدهم سيوف وسكاكين، حاولت الوصول إلى الميدان قبل دخولهم لتحذير الثوار لكنى لم أستطع.

ورأيت يوم الأربعاء الدامى كيف استطاع البلطجية المأجورون الانقضاض على شباب التحرير الشرفاء، ومشيت_ مكرها_ مع هؤلاء البلطجية حتى تم الصدام، حاولت أن أفهمهم أن دخولهم ميدان التحرير سوف تكون عواقبه لا حدود لها والخسائر فادحة، لكنى وجدتهم يريدون ذلك، ووجدت نفسى كالذى ينفخ فى قربة مقطوعة بعد أن أشهر أحدهم سيفا فى وجهى قائلا بكل جهل وتخلف وبلطجة " انت معانا ولا معاهم "، فقلت " معاكم طبعا..!!".

كان دخولى فى هذه اللحظة لميدان التحرير مغامرة كبرى وفى الوقت نفسه خروجى من مظاهرات المؤيدين للنظام السابق مغامرة أخرى، فلجأت لإحدى الدبابات اتخذتها كساتر من وابل الحجارة الذى كان يتطاير فى السماء كرزاز المطر، ووسط هذا الموقف المتأزم رأيت هجوم (الكفار) راكبين خيولهم وجمالهم وهم يهجمون على ثوار التحرير.. فى هذا الموقف كان من يحاول القيام بتصوير ما يحدث بموبيل أو كاميرا يتم ضربه وأخذ موبيله فلم أستطع تصوير الصدام.. لكنى صورت مشهد المسيرة أثناء سيرهم فى شارع الجلاء قبل دخولها الميدان، وفى الفيديو المصور يظهر بعض هؤلاء البلطجية ولوحات وأرقام السيارات التى كانت تسير فى اتجاه الميدان .

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

أتوبيس الهنا



كل يوم كالعادة استيقظ من نومى بضرب الجزم لألحق بأى ركوبة وسط أمواج من البشر يتنططون فوق العربيات كقرود وجرذان أفلام الكرتون..

وبشق الأنفس والمزاحمة بكتفى والدفع بيدى ورجلى استطعت ركوب الاتوبيس لأقف أمام اتنين قاعدين وهم فى قمة القرف " وأنا طبعا واقف فى الطرقة اللى بين الكراسى " شكلهم موظفين.. وشكلهم طافحينه من العيشة واللى عايشنها .. وشهم بيقول الخناق للبيع ..

تخيلوا ما بيثقوش فى أى خبر بيسمعوه من أى قناة من اللى ماليين فضاء العالم إلا قناة الجزيرة، وكأن الجزيرة هذه ملاك طاهر.. لا تكذب ولا تخون ولا تدعى الصلاح.. مع إنها مصيبة لابسة خيبة وماشية فى وسط العرب بظيطة وظمبليطة ..

بعد تفعيص وتعميص وتفحيص فى وجهى الذى لا يروق له تحدث بلاديتنا عن الجزيرة بحماس.. ملتفتا بجسده كله ناحية الجالس بجواره فنظر إلىَّ الآخر نظرة ريبة.. متعجبا من شكلى ومظهرى .. ربما شك فى أن أكون تبع أمن الدولة أو المباحث، إذ ما الذى حشرنى بينهم وأنا أرتدى بدلة بالشىء الفلانى.. وبرغم ذلك لم يتراجع الرجل عما نوى قوله، ولسان حاله يقول خربانه .. خربانه .. هايسخطوك ياقرد !!!
- تصدق بإيه..
- لا إله إلا الله ..
- ما حد قال كلمة الحق فى اللى بيحصل فى غزة غير قطر وقناتها الجزيرة، كشفوا للعالم سِمْ اليهود وجبروتهم وبطشهم بالغلابة اللى لا معاهم سلاح ولا يحزنون.. غيرشى شوية الحجارة اللى عمَّالين يحدفوهم بيها وصواريخ البمب اللى عمَّالة المقاومة تِحَدِفها عليهم كل شوية، لما جابت الكافية لأهالى غزة وقلبت عليهم اليهود.
- منك لله ياهتلر انت واللى زرع اليهود فى وسطينا، تخيل كدا منطقة الشرق الأوسط من غير اليهود، وتخيل العالم كله من غيرهم.. كانت الدنيا كلها هاتعيش فى سلام وأمان، ولا هايبقى فيه حروب ولا مشاكل ولا عصابات ولا اغتيالات، والدنيا هايبقى لونها وردى.

- وطى صوتك ربنا يهديك.. ماهياش ناقصة!!
وهمس فى أذن الآخر وهو يسرق النظر اتجاهى، محاولا عدم جزب انتباهى لهما.

- أصل اليهود اليومين دول عملوا قانون جديد، ووافقت عليه الأمم " المنتحرة " ..

بيقول: إن أى حد يتعرَّضْ لليهود بالشتِيمة أو بأى لفظ مُشْ على مزاجها هايحاكموه دوليا، كمجرم حرب وهايكون مصيره يا حبل المشنقة زى صدام حسين أو " جوانتاناموه " يقضى عمره هناك يلعب مع الكهربة والكلاب السعرانة، واحنا مش عارفين الأفندى " المتقمع " اللى واقف فوق روسنا ده تبع مين .. كل عيش وربى عيالك .. احنا مش عارفين الضرب هايجيلنا منين!!

- بس بصراحة قناة الجزيرة والمراسلين بتوعها عملوا اللى ما حدش عمله.. دا إحنا اللى هوه احنا بتوع الحضارة والتاريخ ما عندناش قناة زيها مع إننا رواد الإعلام العربى وهلوود الشرق ما حصلناش ربعها، وكل أخبارنا اللى كانت بتتذاع منقولة من قنوات أجنبية.. وكأن الأجانب ما بيكذبوش ولا بيضحكوا علينا، مع إنهم موكلينا البالوظة.

" والله ما أنا عارف يعنى إيه بالوظة.." ؟!

حاولت أن أبحث فى المعاجم وكتب اللغة عن معنى لها فلم أجد، لكن ـ والله أعلم ـ هى حاجة كدا معناها الضحك على الناس وخداعهم بأكاذيب...



الأحد، 15 أغسطس 2010

بريد الجمعة - مهـلا أيها الموت‏!‏




الأستاذ والكاتب الصحفى المبدع/ خيرى رمضان

كل عام وأنتم بخير وصحة وعافية وسعادة وحب.. رمضان كريم
أعاده الله عليكم وعلى الأمة الإسلامية بألف خير وسلام...

هذه حكاية سيدة التقيتها فى مستشفى سوزان مبارك التخصصى للأطفال بالمهندسين.. حكت لى عن حياتها ومأساتها ورأيت ( محمد وسارة ) أثناء عملية الغسيل ـ عافانا الله .. فكتبت عنها.. أتمنى أن تصلح للنشر فى بريدكم العظيم.. بارك الله فيكم وفيه..


خالص تحياتى ... على جاد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مهلا أيها الموت..!!

أنا يا سيدي امرأة تخطت العقد الثالث بأربع سنوات، أنتظر الموت في أي لحظة.. كلما هاجمني الألم أترجاه؛ فقط من أجل أبنائي..

نشأت في أسرة فقيرة تعيش في أحد أحياء القاهرة، وسط أربع بنات وولد وحيد.. كان والدى يعمل «غفيرا» بإحدى الشركات براتب بسيط، تحمل وحده مشقة تربيتنا بعد موت أمي، وبرغم قلة الحيلة وضيق العيش إلا أننا كنا سعداء.. طبق فول بالزيت وبجنيه عيش نأكل ونشبع ونحمد الله، أقصى ما كنت أتمناه في طفولتي وأحلم به هو أن أتعلم وأصبح ذات شأن.. وكنت حريصة على ذلك منذ مراحل دراستي الابتدائية، فتفوقت على زميلاتي، حتى إن أهاليهن كانوا يعايرونهن بي..«بنت الغفير».

سيدي..هل وظيفة «الغفير» عار.. هل الفقر عيب أو سُبة؟! ولماذا ينظر إلينا الناس بخزي واشمئزاز؟! نعم أحببت دراستي لأقول للعالم كله إن الفقر ليس عيبا، لكن كانت الحياة أشد قسوة من الناس، فخرجت من المدرسة لأني لم أستطع دفع المصاريف، وما زلت أشعر بالحزن وغصة في نفسي لفقدي هذا الحلم..

كبر والدي في السن، وأتعبه مرض السكري، فأحالوه على المعاش، ووجدنا أنفسنا في مأزق، وقد أصبحنا على وش زواج، فعمل أخي في ورشة نجارة لدى رجل طيب يعرف ظروفنا، ولأمانة أخي وشهامته كان يعطيه بلا حساب، وبدأت الحياة تبتسم لنا بعد أن شعرنا بحب أخي وحرصه وخوفه علينا، فكان كل ما يأتي به يضعه في يد والدي ونعيش منه.. ولا أخفيك سرا سيدي أننا كنا نحتاج أشياء كثيرة مثل من هن في عمرنا، ولكننا لم نطلب شيئا.

كنا سعداء راضين بما قسمه الله لنا، فالفقراء يا سيدي لا يعنيهم من الحياة إلا لقمة العيش و«هدمة» تستر أجسادهم.. حتى هذه السعادة لم تدم، ففي صباح يوم ذهبت أوقظ أخي ليلحق بعمله، فلم يرد.. تحسسته بيدي وداعبته في وجهه كعادتي، فلم يرد، انقبض قلبي، فهرولت إلى والدي.. صمت مخيف فى أثناء كشف الطبيب.. ناس يملأون البيت.. أحاديث جانبية.. وصراخ.. مات أخي الوحيد بسكتة قلبية وعمره 22 عاما.. كانت الصدمة مفجعة.. مشهد لم يغب عن ذاكرتي حتى الآن كلما ذكرته بكيت، لماذا أخي وفى هذا التوقيت؟! لم يتحمل أبى الصدمة فأصيب بغيبوبة سكري، خرج منها ببتر ساقه اليمنى، ليشقينا ألما وحزنا بنظراته الحزينة وإحساسه بالعجز والانكسار.

سيدي.. ماذا تفعل خمس بنات وأب عاجز منذ وفاة ولده الوحيد لا تفارق لسانه كلمة «لله الأمر من قبل ومن بعد» وكأنه اعتزل الحياة؟ ماذا نفعل وكل ما نملكه من الدنيا معاش لا يكفى شراء الدواء لأبينا المريض، ما كان أمامنا إلا الخروج للبحث عن عمل نقتات منه، فاشتغلت أختي الكبرى بمحل ملابس، والحمد لله.. سارت الحياة.

مرت السنوات.. كل عام تتزوج واحدة من أخواتي حتى بقيت أنا مع أبى، وما إن تقدم لي أول عريس حتى وافق أبي وزوجني وأنا لم أكمل الـ 16 عاما، وكان يتعجل زواجي بشكل غير عادي، وعندما عاتبته على استعجاله لزواجي قال «خلاص يا بنتي عايز أرتاح..»، فسكت عن الكلام بعد أن رأيت في عينيه دمعة يغالبها.. لم يمر أسبوع على زواجي حتى مات أبي، وكأنه كان ينتظر هذه الساعة بالتحديد بعد أن اطمأن علينا.

كان أبى أخر سند لنا فى الحياة، وبموته شعرنا باليتم والخوف من الأيام، وبدأت حياتي مع زوجي وأنجبت منه ولدين وثلاث بنات هم أملي وزرعتي، حرصت على أن أربيهم وأعلمهم وألا أحرمهم مما حُرمت منه.. كبر أبنائي حتى وصل ولدي الأكبر إلى الصف الثاني الإعدادي والبنات في الابتدائي.. كلما نظرت لهم أشعر بالسعادة ويهون كل التعب.. كان زوجي يعمل في النقاشة، وهى مهنة حسب الطلب، وليست دائمة، فكنت أعمل حسابا لأي ظرف، وأدير بيتي بحكمة، لكن زوجي كان مهملا في عمله ويسهر إلى أوقات متأخرة ويأتيني فاقد الوعي وليس في جيبه مليم واحد.

عاتبته بلطف وقلت له إن لدينا أطفالا نريد تربيتهم، ولكنه لم يكن يهتم، رضيت بنصيبي وأخذت أولادي في حضني، بعد أن تركنا زوجي شهورا، ولا أعرف أين ذهب، سألت أصدقاءه وكل من يعرفه، فلم يعرفوا عنه شيئا، فخرجت أعمل في أي شيء؛ أمسح سلم عمارة مقابل جنيه من كل شقة صباحا، وأعمل في مطابخ المطاعم ليلا، ومر عام وأنا على هذه الحال، ونسيت أنى متزوجة، ونسيت زوجي كما نسينا، وكان كل شاغلي هو كيف أربي أولادي.. كنا نقضى يومنا حسب الظروف، وكلما مر يوم بخير حمدنا الله ولا ننتظر الغد.

عذرا سيدي.. فقد أطلت عليكم، فحكايتى قد تكون عبرة لمن لا يقدرون ما فى أيديهم من نعمة المال أو الصحة أو الأولاد، وأردت بها أن أضع بين أيديكم كل ما أحبسه في صدري إن استطاعت الكتابة وصفه؛ لتتخيلوا قسوة ما عانيت منذ طفولتي حتى لحظتي هذه؛ التي لا أثق في أن تمر عليّ مثل خلق الله.. ولست خائفة من الموت بقدر خوفي على أبنائي ولمن أتركهم..

ففي إحدى الليالي صحوت على صراخ ابنتي «سارة» وهى تتألم من وجع في بطنها، وبعد الكشف عليها، طلب الطبيب إجراء أشعة لها، لم أعرف طعم النوم حتى ظهرت النتيجة، وكانت الصدمة التي قلبت حياتي، فلقد أصيبت ابنتي سارة بفشل كلوي في كليتيها، ولابد من إجراء غسيل لها ثلاث مرات في الأسبوع، ظللت ألطم وجهي حتى وقعت أرضا، ماذا أفعل؟ وبدأت رحلة العلاج فكنت أبيع في كل مرة أي شيء في البيت، حتى أستكمل أوراق علاجها على نفقة الدولة أو في مستشفيات التأمين الصحي، حيثُ كانت «سارة» في الصف الثالث الابتدائي.

كل ما كنت أتمناه في كل ليلة أقضيها مع ابنتي سارة هو أن يطلع النهار وهي على قيد الحياة لأحملها على كتفي وأذهب إلى مستشفى خيري وافق على قبولها قبل أن أستكمل أوراق علاجها فى التأمين الصحي.. وفى مرة من مرات الغسيل، ساءت حالتها وأخبرني الطبيب أن الفشل قضى على إحدى كليتيها، وقال لي إنه لابد من استئصالها ونقل «كلية» سليمة لها، وإلا ستصاب بفشل كامل في الاثنتين.. وتموت.

كنت أسمع صوت الطبيب وكأني في كابوس فظيع أريد أن أصحو منه.. حملت ابنتي وذهبت إلى البيت.. وضعتها فى فراشها وخرجت أبكي.. من أين وكيف؟! فإذ بيد تربت على كتفي وصوت أسمعه كالحلم يقول «أنا يا ماما هتبرع بكليتي لسارة أختي» احتضنته واشتد بكائي.. ولدي الأكبر أصبح رجلا وهو لم يكمل عامه الثاني عشر، وبعد ليلة كئيبة عشتها ذهبت بابنتي إلى المستشفى، وقلت للطبيب وجدت المتبرع، ففرح وقال «هاتيه ناخد منه عينة دم ونجري له بعض الفحوصات» فمددت له ذراعي.

نعم سيدي، نقلت كليتي لابنتي.. ولو طلبوا حياتي لأحد أبنائي لقدمتها وأنا سعيدة.. ونجحت العملية وبدأت حالة سارة تستقر، ولأنه لا مورد رزق لهم - بعد الله سبحانه وتعالى- إلا أنا، فقد خرجت لعملي الشاق قبل أن يلتئم جرحي، ولم أخبر ابني الأكبر بما حدث، وكان كلما سألني أقول إن حالتها تحسنت.. خوفي على سارة وانشغالي بمرضها أنساني طفلي «محمد»، الذي لم يكمل عامه الثالث، حتى وجدته يشكو من آلام في بطنه، فقلت: ألم بسيط وسيزول، لكن تكرر الألم فكشفت عليه!!

أصيب محمد بفشل كلوي.. نعم سيدى.. أصبح اثنان من أبنائي مصابين بفشل كلوي يحتاج كل منهما إلى رعاية مستمرة، ما حدث لي قد لا يصدقه عقل، لكن هي الحقيقة المؤلمة التي عانيتها، وما زلت مع أبنائي والمرض وقلة الحيلة والرزق، وأنا أقابل المصائب وحدي دون سند إلا الله - سبحانه.. كان المستشفى الخيري الذي يعالج محمد وسارة رحيما بنا، فاستقبل ابني بعد أن قابلت مدير المستشفى وحكيت له قصتي فوجدته إنسانا طيبا خيِّرا، قال بابتسام رقيق «ما تشليش هم... ربك كريم»، لكن كثرة الحالات التي يستقبلها كل يوم، كانت تستنزف الأجهزة والمستلزمات الطبية، ففي بعض الأحيان لم أكن أجد جهازا خاليا، وأحيانا أخرى لا نجد أدوات تجهيز الغسيل، فكنت أشتريها، ويعلم الله وحده كيف كنت أدبر ثمنها.

سيدي.. سيظن قراء بريدكم أنني بعثت رسالتي هذه لينظر لي أهل الخير بمساعدة مادية أو علاج لـ«سارة ومحمد».. لكني بكل ثقة وصدق ويقين فيما أقول.. كل ما أتمناه أن ينظر الناس إلى هذا المستشفى الخيري وإلى الأطفال المرضى الموجودين فيه، فجميعهم من أبناء الفقراء ويعالجون بالمجان، وفي بعض الأحيان لا تتوافر لهم الإمكانات.

احمدوا الله على نعمة الصحة ورزقه مهما كان قليلا، فمال الدنيا كله لا يساوى لحظة ألم ووجع نراها فى عين طفل مريض.. أى طفل!! أريد ألا ترى أي أم ما رأيته، وما دام هذا المستشفى بخير فسوف تكون «سارة ومحمد» في أمان، فأنا أتمسك بالحياة فقط لأجلهما بعد أن تدهورت صحتي بعد نقل كليتي لابنتي، وكثيرا ما أشعر بآلام تهاجمني من حين لآخر، أخشى أن تؤدي لموتي قبل أن أصل بأبنائي لبر الأمان.. وسأواصل مشواري حتى آخر نفس في صدري.. والله المعين.

بريد الجمعة - مهـلا أيها الموت‏!‏

الاثنين، 14 ديسمبر 2009

لحم الفقراء



هذه الرسالة كتبتها لحالة إنسانية .. تفاعلت معها فعبرت عنها بصدق .. وتفضل الأستاذ الأستاذ المحترم خيرى رمضان مدير تحرير الأهرام بنشرها فى بريد الجمعة .. ونشرت بتاريخ 11 -12 -2009 .. والحمدلله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لحم الفقراء

أنا يا سيدى شاب تخطى العقد الثانى من عمره بسبعة أعوام، هذا بالنسبة لعمرى الحقيقى، لكن هيأتى وشكل جسدى لعجوز تخطى السبعين عاما..

من أسرة فقيرة تعيش في إحدى قرى محافظة الشرقية، مكونة من أم وولدين وبنت، كانت والدتى تخرج لسوق القرية تبيع بعض الخضراوات، ولم يكن لنا مصدر رزق إلا هي بعد انفصالها عن والدى منذ أن ولدت تقريبا، وبرغم الفقر وقِلة الرزق إلا أن تطلعنا إلى الخروج من دائرة الفقر كان حافزا لى على النجاح والتفوق، وكل أحلام أسرتى كانت أن أدخل الجامعة.


تفوقت في دراستى وحصلت على الثانوية العامة ثم التحقت بكلية الحقوق، برغم أن مجموعى كان يؤهلنى لأى كلية، لكن كان هدفى أن أصبح « وكيل نيابة ».

كانت أمى وأخى وأختى يعملون في أي شيء ليوفروا لى مصاريف الدراسة، ولاقوا الكثير من أجلى، وكان ما يصبرنى ويصبرهم على هذا العناء هو أنه سيأتى يوم وأصبح ذا شأن وأرد الجميل، تخطيت السنة الأولى بتقدير جيد جدا، وبدأ الفرح يدخل بيتنا بعد سنوات من التعب والكد، لكن كانت الأقدار تخبئ شيئا لم يكن في الحسبان، وأراد الله أن تكون حياتنا كما أراد سبحانه وتعالى لا كما حلمنا أن نكون، فذات يوم وأنا في طريقى إلى الجامعة إذ بسيارة شرطة تسير بسرعة جنونية تصطدمنى من الخلف لتتركنى كومة من اللحم تغطيها الدماء، وظللت أنزف لأكثر من ساعة، بعدها حملنى الناس إلى المستشفى بعد أن يئسوا من وصول الإسعاف.

ونجوت بإعجوبة من هذا الحادث بعدة عاهات مستديمة، كان سببها سوء التعامل مع حالتى، وكتب الله لى الحياة ربما لمصير أصعب من الموت، فقد خرجت من الحادث بكسور في جميع جسدى، لأبدأ بعدها رحلة علاج مريرة ذقت فيها وأهلى جميع ألوان العذاب والذل، حتى أصبح جسدى حقل تجارب لدكاترة الامتياز في كليات طب مصر، اتنقل من مستشفى جامعى إلى آخر باحثا عن أقل التكاليف، فليس لأمثالنا إلا هذه المستشفيات التي تفتقد لكل معانى الرحمة
والإنسانية والخوف من الله.

ما أصعب المرض يا سيدى عندما يصيب الفقراء فيزيد معاناتهم بجانب الحرمان والجوع، فقد يهون الفقر أمام الصحة، لكن أن يجتمع الفقر والمرض معا فهذا أمر لا يمكن تصوره وأدعو الله ألا يكتبها لأحد، وبعد مشوار طويل من الألم قال أحد الأطباء لوالدتى « لو عايزه ابنك يمشى تانى على رجليه.. خديه من هنا » يقصد أحد المستشفيات الجامعية الذي كنت أعالج فيه.

وبالفعل خرجت على كرسى متحرك، وذهبت بى أمى إلى أحد الأطباء المشهورين فطلب مبلغا كبيرا لإجراء عملية جراحية، بعدها أستطيع المشى.. طرقت أمى كل الأبواب ولم يغثها أحد، ولم تجد شيئا تبيعه لتعالجنى إلا كليتها..

نعم سيدى.. الفقر يجعل الإنسان يبيع لحمه لينقذ أخيه أو أبيه أو ابنه أو أمه، ما كان أمام أمى إلا أن تبيع جزءا من جسدها لتنقذ ابنها من العجز أو الموت، والغريب يا سيدى أنها وجدت من يشترى بل أكثر من مشتر، وأخذوا يزايدون.. حتى أجسادنا الهزيلة لم يرحمها أصحاب المال، ووجدوا فيها «سبوبة» يتربحون منها دون أن يسألوا أنفسهم.. لماذا الإنسان يبيع جزءا من جسده؟

وعندما عرف أخواتها «أخوالى» بهذا الأمر منعوها، ليس خوفا عليها، ولكن خوفا من العار الذي سيلحق بهم إذا فعلت ذلك، فجمعوا لها مبلغا قيمته 20% من المبلغ المطلوب للعملية.

وعندما عرفت بما فعلته أمى لأجلى شعرت بالحسرة والعجز والذل، وانتابنى حزن واكتئاب لدرجة إننى فكرت في الانتحار أكثر من مرة.. وحاولت، لكن إيمانى بالله وخوفى منه منعانى، واعتبرت عجزى هذا قدرا كتبه الله لى.. فكيف أجزع من إرادة الله!!

وحمدت الله واستغفرته، لكن كل ما كان يعذبنى ويبكينى هو حالة أمى التي لم تجف لها دمعة منذ أن أصبحت طريح الفراش، وهى ترى حلم العمر وولدها الأكبر كومة آدمية لا يتحرك فيها إلا العينان واللسان، وأخيرا اهتدت أمى إلى بيع البيت الذي نعيش فيه بعد أن أقنعتها بأن بيع كليتها حرام، وأننى لن أقبل أن أعالج بفلوسها، كان الأمر صعبا علينا لكن ما باليد حيلة.. باعت أمى البيت، وأُجرِيت لى عملية تم فيها تركيب عدة شرائح ومسامير، استطعت بعدها أن أمشى على عكازين.

مر عام وأنا طريح الفراش أتحرك بطريقة معينة، وأى خطأ يحدث تكون نتيجته كسرا جديدا أو نزيفا في أي جزء من جسدى، أثناء هذه الفترة لم أذهب للكلية، ولم أستطع حضور الامتحان فرسبت.

كنت في العشرين من عمرى والدنيا كلها تضحك لمن في مثل سنى إلا أنا، جلوسى وحدى لساعات طويلة علمنى التأمل في الأشياء وفى خلق الله وتصرفاتهم، وأن ما حدث لى ما هو إلا ابتلاء ومصيبة مكتوبة لى.

ووضعت قول الله سبحانه وتعالى: « وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون..»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( أمرهم كله لهم خير إن أصابتهم سراء شكروا، وإن أصابتهم ضراء صبروا ) أمام عينى وفى عقلى وقلبى، وتعلمت كيف يكون الصبر على المصائب مهما تكن صعوبتها، فلم أقنط أو أعترض، وكل ما أفكر فيه هو كيف أخرج أمى من الحزن الذي سكنها منذ الحادث.. كان الألم يقتلنى وأبتسم..لا أتوجع أو أشكى حتى لا أزيد من هموم أمى وأخوتى.. أليس كتم الآه يا سيدى عذاب آخر أشد من الألم نفسه؟

كانت المفاجآت مازالت تعبس بحياتنا وهى تخرج تِباعا من جعبة الأيام، فما أن خرجتُ من المستشفى حتى شعرت أمى بألم في بطنها، وبعد الكشف والتحاليل تبين أنها مصابة بالفيروس الكبدى، وتطلَّبْ علاجها شراء بعض الأدوية المكلفة التي لا نملك منها مليما واحدا، خاصة بعد أن بعنا كل ما لدينا، وليس لنا أي دخل إلا ما يقدمه أخى الأصغر، ولا يكفى شيئا.

توقفت عن الدراسة في الكلية وأخذت أبحث عن عمل، وكان من الصعب أن أجد عملا يقبلنى بعكاذى، لكن رحمة الله واسعة، عرف أحد الصالحين بقصتى فأخذنى لأعمل عنده في محل بقالة براتب شهرى خصصته كله لشراء الدواء لأمى، لن أحكى لك يا سيدى عن مدى البؤس والحرمان الذي عشناه، حتى إننى كنت اقطع الرغيف نصفين بينى وبين أخى لنأكله عشاء أو غداء، وكنا نأكل أي شيء لنوفر ثمن العلاج لأمى، وكثيرا ما نمنا ليال بدون عشاء، وأنا أسخر من المثل الذي يقول « ما حدش بيبات من غير عشا » لأ.. فيه.. وفيه أكثر مما يتخيله البشر!!

كنت راضيا بل كنت سعيدا بأننى أستطيع توفير ثمن العلاج لأمى، وذات يوم أتى لى أحد أصدقائى وأشار علىَّ أن ألتحق بمعهد الخدمة الاجتماعية لأنه لن يحتاج إلى مصاريف كثيرة، وفى الوقت نفسه أستطيع الحصول علي شهادته وأنا أعمل، سحبت أوراقى من كلية الحقوق بعد أن فقدت الأمل في الاستمرار فيها، ويعلم الله وحده كيف كانت حالتى يومها وكيف تصبح حالتى كلما تذكرت ذلك اليوم.

أنهيت الدراسة بالمعهد وحصلت على شهادته وأنا ما زلت أعمل، لكن القدر كان يخبئ شيئا آخر لتكتمل المأساة، فإذ بصندوق خشبى به بضاعة يقع فوق زراعي اليمنى فيهشمها، وآخر فوق رأسى أصابنى بعمى نصفى، لأرى الدنيا نصف رؤية، حيثُ يكسو الضباب كل ما أراه، أما زراعى فقد تم تجبيسها بطريقة خطأ أحدثت بها شبه شلل، لا أستطيع استخدامها في رفع ورقة من الأرض وتحتاج إلى عملية مكلفة لتعود إلى طبيعتها، فأصبحت بزراع مشلولة وأخرى مكسورة، بجانب الشرائح والمسامير المثبتة في جسدى وتوخزنى في كل حركة، وتدهورت حالتى الصحية نتيجة ما تجرعته من أدوية على مدى مشوار مرضى الذي استمر لأكثر من سبع سنوات وسيظل يلازمنى حتى نهاية العمر.

وأخيرا رقدت بجوار أمى وتراكمت علينا الديون، أما أخى الأصغر فيعمل باليومية ولا يكفى ما يتحصل عليه شراء ولو 10% من علاج أمى أو علاجى، أنا لا أبالى بما أنا فيه من ألم ووجع وعجز، بل لم أعد أشترى أي دواء، فقد تأقلمت على الألم ورضيت والحمدلله، وكل ما يشغلنى ويحزننى ليس ما بى من عجز وألم، لكن ما تعانيه أمى من المرض ولا أستطيع فعل شيء لها.

سيدى.. هذه حكاية شاب في السبعينيات من العمر، برغم أن تاريخ الميلاد والأوراق الرسمية تقول أن عمرى 27 عاما، لكن كيف نصدق الأوراق ونكذب الواقع، فهذا هو حالى.. شاب عجوز بفعل المرض وحوادث الدهر ـ عافاكم الله ـ استخرت الله بعد أن أشار علىَّ فاعل خير أن أرسل لكم حكايتى لتعينونى على ما أنا فيه بعمل أو وظيفة أو أي مشروع أعيش منه وأسرتى.


.. نشرت فى جريدة " الأهرام " صفحة (13) بريد الجمعة
.......... بتاريخ 11-12-2009



الخميس، 3 ديسمبر 2009

رسالة إلى فرعون مصر


لقد نُصِبْت لتسمع الشكاوى
وتُكبح جماح اللص
ولكن تأمّلْ
فإن ما تفعله
هو أنك تعاضد اللص
...........

تأمل إنك صقر لعامة القوم يعيش على أحقر الطيور
أنظر إنك حاكم يسرق
أنظر إنك إنسان مُنغمس فى إرضاء ملاذه
تأمل أيها الأحمق فإنك قد ضُرِبت
وتأمل أيها المغفل فإنك قد استُجوِبت
هل أنت لص ؟
هل يُحضر إليك بجنود لتصاحبك عند تقسيم الحقول.....

هذه الكلمات الفاصلة الملخصة لحال البلاد ليست لا سمح الله من " دماغ " العبد لله، وإلا وضعت نفسى فى مأزق " فيرانى " وأعطيت لـ " القط " فرصة قطع ذيلى ـ لسانى يعنى ـ الذى أتوقع له مصيرا مش حلو خالص ..

هذه الكلمات كانت لفلاح مصرى قديم بعث بها إلى صاحب السلطة فى مصر "رنزى بن مرو" فى منطقة تسمى وادى الملح فى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وخلاصة القصة ـ علشان ما نطولش عليكم ـ أنه ..

كان فيه فلاح بسيط فقير عنده قطعة أرض صغيرة بيزرعها، وكل موسم حصاد يحمل على حماره المحصول ويمشى بجواره مسافرا إلى المدينة لكى يبيعه، وذات يوم وهو فى طريقه لبيع المحصول فى المدينة اعترضه " تحوت نخت " أحد كبار الموظفين فى الدولة واغتصب حماره المحمل بالبضاعة ـ يعنى سرقه أو أخذه غصبا .. آااايوه أخذه غصبا ـ أخذ يصيح فيه الفلاح رافضا ما فعله هذا الحرامى الميرى، ولكن لا جدوى من صراخه ولم يسمعه أحد.

جلس الفلاح يفكر .. ماذا يفعل ؟ وماذا يقول لأبنائه وزوجته ؟ وكيف سيعيشون فى الأيام القادمة بدون نقود أو خزين للطعام ؟ وظل الفلاح حائر البال حزين الحال .. ينظر للسماء مرة وينظر للأرض مرة ثم يجلس واضعا رأسه بين يديه يكاد يحطمها من فرط التفكير فيما هو قادم والمصير المنتظر ..

وفجأة برقت فى ذهنه فكرة فانتبه شارعا رأسه فى الهواء وعلى وجه ملامح ابتسامة خجلى .. نعم سأفعل وأخذ يبحث حوله عن شىء يكتب به شيئا فلم يجد، ما العمل ؟ سأذهب إلى الرئيس " فرعون مصر " وأحكى له ما فعله " تحوت نخت "، وذهب الرجل إلى فرعون مصر يعرض عليه الأمر، ووقف بين يديه يشكى له رجل الدولة الذى سلبه قوته، كان الرجل منفعلا غاضبا، لكنه كان فصيحا متكلما يجيد فن الحديث والإقناع، فأعجب الفرعون بفصاحته وحسن بيانه ووجد كثيرا من المتعة فى سماع خطابه، فيأمر ألا يُبَتْ فى أمره، وظل الفرعون صامتا حيال كل ما يقوله الفلاح حتى يستمر فى خطابه البليغ، بل ويأمر بتدوين هذا الخطاب على صحائف البردى حتى يُتلى عليه فيما بعد، ويأمر بإمداد الفلاح وعائلته بالزاد سرا دون إعلامه بمصدر ذلك الإمداد، وعاقب السارق ورد للفلاح أملاكه وكافأه على جرأته وعدم تنازله عن حقه .

هذه القصة سجلها التاريخ فى ذاكرته من آلاف السنين عن حقبة اتصفت بانهيار الدولة وإعادة تشكل صورة الحاكم الإله المنزه، فبعد هذا الحادث لجأت السلطة إلى الكتابات بهدف التأثير فى الرعايا خاصة الرعايا الرافضين لفساد السلطة .. وما كان موقف الفلاح من السلطة من وجهة نظر الحاكم إلا تجرأ لم يعهده من قبل، لفت انتباهه إلى أنه برغم بطش الحاكم وحكومته إلا أن هناك من يجرؤ على الخروج عليه ورفض بطشه مهما كانت العاقبة .. فما الذى يضير الإنسان بعد سلب قوته؟! وبرغم بطش الحاكم إلا أن ذلك لم يمنع الفلاح من انتقاده الحاد للسلطة.

أردت أن أستدعى هذه القصة لما لها من مغزى وعبرة لنعرف أن الحياة لا تدوم على حال مهما تكن مثالية البشر فيها، فالفساد موجود من آلاف السنين، لكن الشعوب تتصدى له وتثور عليه مهما تكن العاقبة، كل الشعوب لا ترضى البقاء لمن يسعى فيها فسادا .. كل الشعوب تستشعر الخطر وتعرف كيف تدرأه .. وكما قال الحاج حسن " كل السنين هاتمر وكل الفاسدين هايموتوا لكن هاتبقى مصر" ..
والقصة هى هى .. ظالم ومظلوم .. خير وشر .. فقراء وأغنياء .. حاكم ومحكومون .. عسكر وحرامية .. حكومة وشعب .. و .. و .. و .. و ..

السبت، 31 أكتوبر 2009

د. مصطفى محمود




هذا المقال من كتاب « أناشيد الإثم والبراءة» للدكتور مصطفى محمود .. رحمه الله
تأملوا كلماته ومعانيها وفلسفته العبقرية فى تفسير الحب والموت والأحاسيس والمشاعر التى تنتابنا ... المقال تحفة وإثراء للروح والعقل

لا يوجد وهم يبدو كأنه حقيقة مثل الحب..
و لا حقيقة نتعامل معها و كأنها الوهم مثل الموت!! فليس هناك أمر مؤكد أكثر من الموت، و مع ذلك لا نفكر أبدا بأننا سنموت، و اذا حدث و فكرنا لا يتجاوز تفكيرنا وهما عابرا عبور النسيم، والعكس في حالة الحب، فبرغم أن الحب دائما أمر يزينه الخيال و يضخمه الوهم و يجسمه التصور و تنفخ فيه الشهوات، و برغم أن الحب يشتعل و ينطفئ و يسخن و يبرد و برغم أن أحواله و تقلباته تشهد بأنه وهم كبير، إلا أننا نتعامل معه بالرهبة والتقديس والاحترام والخضوع.. و نظل على هذا الخلط والاختلاط حتى نفيق على الصدمة، فنصحو ونستعيد رشدنا لأيام أو شهور أو سنوات، ولكن لا نلبث أن نستسلم إلى إغماء جديد.


وسبب الخلط والاختلاط هو دائما خطأ في النسبة.. فنحن دائما ننسب الجمال الذي شاهدناه والحنان الذي تذوقناه إلى صاحبته، مع أنها ليست صاحبته ولا مالكته.. ولو امتلكت امرأة جمالها لدام لها.. ولكن الجمال لم يدم لأحد، لأنه منحة وإعارة من الله بأجل وميقات وهو قرض يسترده في حينه.. فصاحبه ومالكه هو الله وليس أي امرأة.


وكذلك كل ما نعشق من حنان ومودة ورأفة وحلم وكرم كلها خلع ومنح وأوصاف مستعارة من الودود الرءوف الحليم الكريم.. وهو مالكها بالأصالة.. ونحن نملكها عنه بالقرض والإعارة.
ولكن العين التي تعشق الجمال تخطئ نسبته وملكيته فتظنه لصاحبته فتعشق صاحبته وتعبد صاحبته.

وهي تظل في هذا الوهم حتى تفيق على القبح يطل من تحت المساحيق والقسوة تظهر من وراء الأهداب، فتصحو على الصدمة وتعاني وتتعذب وتندم وتعتبر وتتوب ثم تعود فتنسى وتنزلق إلى وهم جديد..

وتلك هي الغفلة المستمرة التي نعيش فيها جميعا.. نفيق منها لحظات لنعود فنغرق في سباتها من جديد، ولا يسلم من هذا البلاء إلا نبي معصوم أو ولي عارف يحفظه ربه ويسدل عليه كنفه.. فلا يرى حيثما تولى إلا وجه الله.

(فأينما تولوا فثم وجه الله)

فهو الجمال في كل جميل وهو الرأفة والحنان والكرم والحلم والمودة.. فتلك أسماؤه تتجلى في أواني الطين والخزف الشفافة التي شفها الإحساس حتى أصبحت مثل الكريستال المضيء، تماما كما يرى الفلكي نور القمر فيعرف أنه ليس نوره بل نور الشمس تجلى عن وجهه.

وهكذا لا يرى هذا العارف أينما تولى إلا وجه الله.. وهو دائم الهمس الله.. الله.. الله.. الله.. الله.. وهو ناظر دائما إلى الظاهر وليس إلى المظاهر.. ناظر إلى الله الظاهر دائما في كل شيء.. لا يطرف.. متعلق بالمعاني وليس بالأواني.
وهو لهذا لا ينقسم ولا يتشتت ولا يضيع في التلفت، وإنما هو مجذوب الفؤاد إلى الله على الدوام.


ولكن أمثال هذا الرجل قليل نادر مثل الألماس واليورانيوم، وأمثاله لا يتجاوزون
أفرادا وآحادا بين ألوف الملايين من الحشد المغمى عليه، وهي غفلة عامة غالبة لا ينجي فيها علم ولا ثقافة ولا دكتوراه ولا ماجستير، فتلك أبواب غرور تزيد من الغفلة.. فنرى العالم يضع علمه في خدمة هواه، وعقله في خدمة عاطفته، ومواهبه في خدمة شهواته، فتصبح بلواه مضاعفة وصدمته قاصمة للظهر.


ويمضي العمر في سلسلة من الغفلات والإغماءات مجموعها في الختام صفر، أو هي في الحقيقة حاصل طرح وليست حاصل جمع، فمجموعها في النهاية بالسالب وليس بالموجب، فحياة صاحبها إلى نقصان يوما بعد يوم و سنة بعد سنة.. يخرج من وهم إلى وهم، ومن خدعة إلى خدعة.. حاله مثل حال الشارب من ماء مالح، كلما ازداد شربا ازداد عطشا.. لا يحصل على سكينة ولا يبلغ اطمئنانا، وإنما هو هابط دوما من قلق إلى قلق، ومن تمزق إلى تمزق، ومن تشتت إلى تشتت، حتى تنتهي حياته بلا ثمرة، وينتهي تحصيله بلا جدوى.


وتلك هي العقلية الاستمتاعية السائدة اليوم في عالم وثني، أصنامه اللذة والغلبة والهوى.. معبود كل واحد نفسه، وكتابه رأيه، ودستوره مصلحته.

والحال في الأمم المتخلفة والنامية أسوأ مما هو في الأمم المتقدمة.. وهي أمم مجموعها أحيانا (حاصل طرح أفرادها)، وليس حاصل جمعهم، لأنهم منفرطون منقسمون متباعدون كالجزر التائهة في البحر.. يضرب بعضهم بعضا.. وعزمهم مستهلك.. وقوتهم لا شيء..
يتحدثون عن الوحدة.
ولا وحدة إلا بالواحد.
هو وحده الواحد لا إله إلا هو، الذي يخرج به كل واحد من شتات نفسه وتخرج به الأمم من تفرقها ويخرج به العالم من انقسامه.

والقضية بالدرجة الأولى قضية إيمان.
هي قضية رؤية..
كيف نرى العالم..؟
وكيف ننظر فيما حولنا..؟
وكيف نحب..؟

هل نستطيع أن نكون ذلك العارف الذي لا يرى في كل شيء إلا الواحد.. و لا يبصر إلا وجه ربه في كل محبوب.

هل يمكن أن نكون مصداق الآية:
(أينما تولوا فثم وجه الله)

وفي هذا الإطار نحب وفي هذا الإطار نكره.. فنبذل المروءة والمعروف والمودة للجميع ولا يكون لنا تعلق ولا يكون لنا حب إلا الله وبالله وفي الله.

ذلك هو الجهاد الصعب.
ولا اختيار..
ولا طريق آخر.
وكل واحد وعزمه.
وكل واحد وهمته..
وعبرة كل حياة بختامها.. فلنسارع إلى المجاهدة ولنشمر السواعد حتى لا يكون محصول حياتنا صفرا، وحتى لا يمضي بنا كل يوم إلى نقصان، وحتى لا يصبح كل يوم من أيامنا مطروحا من الذي قبله.
إنما خلق الله الغواية لامتحان القلوب و ليعرف الكبار أنفسهم وليعرف الصغار أنفسهم من البداية..

منقول من كتاب «أناشيد الإثم والبراءة» لاستأذنا الفاضل العالم المفكر الدكتور مصطفي محمود .. رحمه الله وجعل الجنة مأواه وجزاه عن علمه خير الجزاء




الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

المدينة



أماكن فى القرآن 

المدينة المنورة

على جاد

مكان نال حبا كبيرا من النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ فأحبه المسلمون محبة لله ورسوله وإتباعا للسنة المطهرة.. المدينة المنورة إليها خرج مهاجرا، وعلى أرضها بنى أول مسجد فى الإسلام، وبها مرقد خير البشر، وهى أول عاصمة إسلامية، كانت تسمى قبل الهجرة "يثرب"، وتقع وسط الجزء الغربى من المملكة العربية السعودية، تبلغ مساحتها 150 كيلومترا مربعا، وترتفع عن سطح البحر 625 مترا تقريبا.

وتبعد عن مكة المكرمة 430كم شمالا، كما تبعد عن شاطئ البحر الأحمر بنحو 150كم، وأقرب الموانى منها ميناء ينبع البحر الذى يقع فى الجهة الغربية الجنوبية منها، وتبعد عن عاصمة المملكة الرياض بنحو 980 كيلومترا، وتتميز بخصوبة أرضها ووفرة مائها وعذوبته، بالإضافة إلى إحاطة هذه الواحة بمحميات تضاريسية طبيعية تمثل في مجموعها الجبال والهضاب والأودية.

"ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه .." سورة التوبة الآية (120)

ورد لفظ "المدينة " في القرآن الكريم أربع عشرة مرة، منها أربعة مواضع قصد بها " المدينة المنورة "، مرتان في سورة التوبة الآيتان (101 و 120)، ومرتان فى سورتى الأحزاب الآية (60)، والمنافقون الآية (8)، وورد لفظ " يثرب " بتسميتها القديمة مرة واحدة، وذلك في سورة الأحزاب في قوله تعالى: " وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا .." الآية (13)، كان اسم المدينة المنورة قبل هجرة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إليها هو " يثرب ".

ويقال إن هذا هو اسم رجل كان أول من سكن المدينة المنورة بعد الطوفان، وهناك أكثر من رواية حول سبب التسمية، إلاَّ أن الثابت أن العرب عند ظهور الإسلام كانوا يدعونها بهذا الاسم ثم تغير إلى اسم " المدينة المنورة " بعد الهجرة النبوية المباركة، يقول ابن هشام فى كتابه "السيرة النبوية" كانت تسمى يثرب فسماها رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة، وكره أن تسمى يثرب، وذلك لأن هذه التسمية التي لحقت بها إنما جاءت على عهد اليهود الذين سموها بها وهي تعني الفساد.

وذكر الطبرى، والقرطبى فى تفسيريهما لهذه الآية أنه لم يكن لأهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب سكان البوادي، الذين تخلفوا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك، وهم من أهل الإيمان به، أن يتخلفوا في أهاليهم ولا دارهم، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في صحبته في سفره والجهاد معه ومعاونته على ما يعانيه في غزوه ذلك، فيخبر سبحانه وتعالى أنه لم يكن لهم هذا، لأنهم لا يصيبهم في سفرهم إذا كانوا معه عطش ولا تعب، ولا مجاعة في إقامة دين الله ونصرته، وهدم منار الكفر، وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها، كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة تبوك.

أما عن جبالها وتضاريسها وسكانها فقد ذكر ابن القيم فى كتابه (زاد المعاد) أن أهم جبالها هو جبل أحد ويقع شمال المدينة والذي حدثت عنده معركة أحد، ويوجد بجوار الجبل قبور شهداء أحد وقبر حمزة بن عبدالمطلب عم النبي وأسد الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن جبل أحد يحبنا ونحبه، وهو على ترعة من ترع الجنة" رواه ابن ماجة.

وكذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد جبل أُحد وأبو بكر وعمر وعثمان معه فرجف بهم، فضربه برجله وقال: (اثبت أحد، فما عليك إلا نبيٌّ، أو صدّيق، أو شهيدان)، وفي رواية: (فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان) رواه البخاري، ويقع شماله جبل ثور وهو الحد الشمالي للمدينة المنورة، ويسكن المدينة قبائل الأنصار: وهم الأوس والخزرج السكان الأصليين للمدينة المنورة، بقي منهم بعض العوائل الثابت نسبهم، والسبب في قلة الأنصار اليوم يرجع إلى عدة عوامل أهمها تصديقا للحديث النبوي الشريف (إن الناس يكثرون، وتَقِلُّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم‏)‏‏. والعامل الآخر في قلتهم بالمدينة هو مشاركتهم بالغزوات والفتوحات الإسلامية، فمنهم من استقر في الأمصار والأقطار التي توجهوا لها، ومنهم من استشهد وتوفي، وعدد العوائل الثابت نسبهم قليل، وهناك بعض المهاجرين في القرون المتأخرة لقبوا أنفسهم بالأنصار، ولكنهم ينفون نسبتهم إلى أنصار رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم، وهناك أيضا قبيلة الأشراف ومعظمهم من بني الحسين ـ رضي الله عنه ـ وقبائل أخرى نزحت إلى المدينة بعد زوال الأسوار المحيطة بالمدينة المنورة ومن أشهرها حـــرب وجهينة، بالإضافة إلى الهجرات المتتابعة لمحبي السكنى بجوار المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جميع الأقطار الإسلامية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعا لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه" فى صحيح مسلم، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها"، أي تميزه ويستقر فيها، فى صحيح البخارى ومسلم.


نشرت بجريدة (السياسة الكويتية) يوم الأحد 1 شوال 1430 هـ / 20 -9 -2009

قائمة المدونات الإلكترونية