الأربعاء، 8 مايو 2013
الأقمار الصناعية تكشف عن مجمع البحرين المذكور بالقرآن
الثلاثاء، 7 مايو 2013
مازلت فى مكتب وكيل المدرسة أنظر إليه وهو يعض بالنواجز على حروف كلمة (أمن الدولة).. كان ذكر اسم هذا الجهاز كفيلا بأن يجعل الثلج نارا والقط فأرا والعمار خرابا، وتهديدا بالضياع والعدم وشطب أسماء الناس من كشف الأحياء..
نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 12 مايو 2013
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/208536.aspx
بسبب خطأ فنى فى طريقة النشر الالكترونى تأخر مقال الأسبوع الماضى 15 ساعة عن توقيت نشره، واقترح مدير تحرير الموقع علىّ أن ينشر فى اليوم التالى حتى يظل 24 ساعة كاملة منشورا، لكنى فضلت نشره الـ 9 ساعات الباقية من اليوم لأظل عند الوعد بإكمال ما بدأته..
فى مقال الاسبوع الماضى حاولت أن أضع مقدمة منطقية لما سأتحدث فيه بعد ذلك، وكان لابد من شرح الظروف التى جعلتنى أعمل فى مدرسة الخصوص وأسكن فى (حارة المسجد الكبير، عطفة المشد) وسط منطقة الخصوص، وما كتبته حقيقة أنقلها بأمانة للقارئ، حتى وإن كانت هذه الحقيقة صادمة أو مزعجة، فالمشكلات لا تحل إلا بالمواجهة وحيادية النقل والتناول الصحيح للحلول المطروحة.
نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 23 أبريل 2013
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/206098.aspx
نشر بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 15 أبريل 2013
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/204591.aspx
الخميس، 8 سبتمبر 2011
شاهد عيان على الأربعاء الدامى (بالفيديو)
فى الساعة الثالثة والنصف تقريبا من يوم الأربعاء 2/2/2011 كنت فى ميدان رمسيس وسط جموع الثورة المضادة، ومشيت معهم فى شارع الجلاء، كان الموقف مثيرا وينذر بكارثة إذا دخل هؤلاء المأجورون ميدان التحرير، فى بداية الأمر ظننت أنهم سيسيرون باتجاه كورنيش النيل للتظاهر والتعبير عن رأيهم، لكن عندما دققت فى وجوههم تأكدت أنهم غير طبيعيين وعلى وجوههم تظهر علامات الشر والبلطجة، وزاد يقينى عندما رأيتهم يحملون الحجارة والعصى، وفى يدهم سيوف وسكاكين، حاولت الوصول إلى الميدان قبل دخولهم لتحذير الثوار لكنى لم أستطع.
ورأيت يوم الأربعاء الدامى كيف استطاع البلطجية المأجورون الانقضاض على شباب التحرير الشرفاء، ومشيت_ مكرها_ مع هؤلاء البلطجية حتى تم الصدام، حاولت أن أفهمهم أن دخولهم ميدان التحرير سوف تكون عواقبه لا حدود لها والخسائر فادحة، لكنى وجدتهم يريدون ذلك، ووجدت نفسى كالذى ينفخ فى قربة مقطوعة بعد أن أشهر أحدهم سيفا فى وجهى قائلا بكل جهل وتخلف وبلطجة " انت معانا ولا معاهم "، فقلت " معاكم طبعا..!!".
كان دخولى فى هذه اللحظة لميدان التحرير مغامرة كبرى وفى الوقت نفسه خروجى من مظاهرات المؤيدين للنظام السابق مغامرة أخرى، فلجأت لإحدى الدبابات اتخذتها كساتر من وابل الحجارة الذى كان يتطاير فى السماء كرزاز المطر، ووسط هذا الموقف المتأزم رأيت هجوم (الكفار) راكبين خيولهم وجمالهم وهم يهجمون على ثوار التحرير.. فى هذا الموقف كان من يحاول القيام بتصوير ما يحدث بموبيل أو كاميرا يتم ضربه وأخذ موبيله فلم أستطع تصوير الصدام.. لكنى صورت مشهد المسيرة أثناء سيرهم فى شارع الجلاء قبل دخولها الميدان، وفى الفيديو المصور يظهر بعض هؤلاء البلطجية ولوحات وأرقام السيارات التى كانت تسير فى اتجاه الميدان .
الأربعاء، 20 أكتوبر 2010
أتوبيس الهنا

الأحد، 15 أغسطس 2010
بريد الجمعة - مهـلا أيها الموت!
كل عام وأنتم بخير وصحة وعافية وسعادة وحب.. رمضان كريم
أعاده الله عليكم وعلى الأمة الإسلامية بألف خير وسلام...
هذه حكاية سيدة التقيتها فى مستشفى سوزان مبارك التخصصى للأطفال بالمهندسين.. حكت لى عن حياتها ومأساتها ورأيت ( محمد وسارة ) أثناء عملية الغسيل ـ عافانا الله .. فكتبت عنها.. أتمنى أن تصلح للنشر فى بريدكم العظيم.. بارك الله فيكم وفيه..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشأت في أسرة فقيرة تعيش في أحد أحياء القاهرة، وسط أربع بنات وولد وحيد.. كان والدى يعمل «غفيرا» بإحدى الشركات براتب بسيط، تحمل وحده مشقة تربيتنا بعد موت أمي، وبرغم قلة الحيلة وضيق العيش إلا أننا كنا سعداء.. طبق فول بالزيت وبجنيه عيش نأكل ونشبع ونحمد الله، أقصى ما كنت أتمناه في طفولتي وأحلم به هو أن أتعلم وأصبح ذات شأن.. وكنت حريصة على ذلك منذ مراحل دراستي الابتدائية، فتفوقت على زميلاتي، حتى إن أهاليهن كانوا يعايرونهن بي..«بنت الغفير».
سيدي..هل وظيفة «الغفير» عار.. هل الفقر عيب أو سُبة؟! ولماذا ينظر إلينا الناس بخزي واشمئزاز؟! نعم أحببت دراستي لأقول للعالم كله إن الفقر ليس عيبا، لكن كانت الحياة أشد قسوة من الناس، فخرجت من المدرسة لأني لم أستطع دفع المصاريف، وما زلت أشعر بالحزن وغصة في نفسي لفقدي هذا الحلم..
كبر والدي في السن، وأتعبه مرض السكري، فأحالوه على المعاش، ووجدنا أنفسنا في مأزق، وقد أصبحنا على وش زواج، فعمل أخي في ورشة نجارة لدى رجل طيب يعرف ظروفنا، ولأمانة أخي وشهامته كان يعطيه بلا حساب، وبدأت الحياة تبتسم لنا بعد أن شعرنا بحب أخي وحرصه وخوفه علينا، فكان كل ما يأتي به يضعه في يد والدي ونعيش منه.. ولا أخفيك سرا سيدي أننا كنا نحتاج أشياء كثيرة مثل من هن في عمرنا، ولكننا لم نطلب شيئا.
كنا سعداء راضين بما قسمه الله لنا، فالفقراء يا سيدي لا يعنيهم من الحياة إلا لقمة العيش و«هدمة» تستر أجسادهم.. حتى هذه السعادة لم تدم، ففي صباح يوم ذهبت أوقظ أخي ليلحق بعمله، فلم يرد.. تحسسته بيدي وداعبته في وجهه كعادتي، فلم يرد، انقبض قلبي، فهرولت إلى والدي.. صمت مخيف فى أثناء كشف الطبيب.. ناس يملأون البيت.. أحاديث جانبية.. وصراخ.. مات أخي الوحيد بسكتة قلبية وعمره 22 عاما.. كانت الصدمة مفجعة.. مشهد لم يغب عن ذاكرتي حتى الآن كلما ذكرته بكيت، لماذا أخي وفى هذا التوقيت؟! لم يتحمل أبى الصدمة فأصيب بغيبوبة سكري، خرج منها ببتر ساقه اليمنى، ليشقينا ألما وحزنا بنظراته الحزينة وإحساسه بالعجز والانكسار.
سيدي.. ماذا تفعل خمس بنات وأب عاجز منذ وفاة ولده الوحيد لا تفارق لسانه كلمة «لله الأمر من قبل ومن بعد» وكأنه اعتزل الحياة؟ ماذا نفعل وكل ما نملكه من الدنيا معاش لا يكفى شراء الدواء لأبينا المريض، ما كان أمامنا إلا الخروج للبحث عن عمل نقتات منه، فاشتغلت أختي الكبرى بمحل ملابس، والحمد لله.. سارت الحياة.
مرت السنوات.. كل عام تتزوج واحدة من أخواتي حتى بقيت أنا مع أبى، وما إن تقدم لي أول عريس حتى وافق أبي وزوجني وأنا لم أكمل الـ 16 عاما، وكان يتعجل زواجي بشكل غير عادي، وعندما عاتبته على استعجاله لزواجي قال «خلاص يا بنتي عايز أرتاح..»، فسكت عن الكلام بعد أن رأيت في عينيه دمعة يغالبها.. لم يمر أسبوع على زواجي حتى مات أبي، وكأنه كان ينتظر هذه الساعة بالتحديد بعد أن اطمأن علينا.
كان أبى أخر سند لنا فى الحياة، وبموته شعرنا باليتم والخوف من الأيام، وبدأت حياتي مع زوجي وأنجبت منه ولدين وثلاث بنات هم أملي وزرعتي، حرصت على أن أربيهم وأعلمهم وألا أحرمهم مما حُرمت منه.. كبر أبنائي حتى وصل ولدي الأكبر إلى الصف الثاني الإعدادي والبنات في الابتدائي.. كلما نظرت لهم أشعر بالسعادة ويهون كل التعب.. كان زوجي يعمل في النقاشة، وهى مهنة حسب الطلب، وليست دائمة، فكنت أعمل حسابا لأي ظرف، وأدير بيتي بحكمة، لكن زوجي كان مهملا في عمله ويسهر إلى أوقات متأخرة ويأتيني فاقد الوعي وليس في جيبه مليم واحد.
عاتبته بلطف وقلت له إن لدينا أطفالا نريد تربيتهم، ولكنه لم يكن يهتم، رضيت بنصيبي وأخذت أولادي في حضني، بعد أن تركنا زوجي شهورا، ولا أعرف أين ذهب، سألت أصدقاءه وكل من يعرفه، فلم يعرفوا عنه شيئا، فخرجت أعمل في أي شيء؛ أمسح سلم عمارة مقابل جنيه من كل شقة صباحا، وأعمل في مطابخ المطاعم ليلا، ومر عام وأنا على هذه الحال، ونسيت أنى متزوجة، ونسيت زوجي كما نسينا، وكان كل شاغلي هو كيف أربي أولادي.. كنا نقضى يومنا حسب الظروف، وكلما مر يوم بخير حمدنا الله ولا ننتظر الغد.
عذرا سيدي.. فقد أطلت عليكم، فحكايتى قد تكون عبرة لمن لا يقدرون ما فى أيديهم من نعمة المال أو الصحة أو الأولاد، وأردت بها أن أضع بين أيديكم كل ما أحبسه في صدري إن استطاعت الكتابة وصفه؛ لتتخيلوا قسوة ما عانيت منذ طفولتي حتى لحظتي هذه؛ التي لا أثق في أن تمر عليّ مثل خلق الله.. ولست خائفة من الموت بقدر خوفي على أبنائي ولمن أتركهم..
ففي إحدى الليالي صحوت على صراخ ابنتي «سارة» وهى تتألم من وجع في بطنها، وبعد الكشف عليها، طلب الطبيب إجراء أشعة لها، لم أعرف طعم النوم حتى ظهرت النتيجة، وكانت الصدمة التي قلبت حياتي، فلقد أصيبت ابنتي سارة بفشل كلوي في كليتيها، ولابد من إجراء غسيل لها ثلاث مرات في الأسبوع، ظللت ألطم وجهي حتى وقعت أرضا، ماذا أفعل؟ وبدأت رحلة العلاج فكنت أبيع في كل مرة أي شيء في البيت، حتى أستكمل أوراق علاجها على نفقة الدولة أو في مستشفيات التأمين الصحي، حيثُ كانت «سارة» في الصف الثالث الابتدائي.
كل ما كنت أتمناه في كل ليلة أقضيها مع ابنتي سارة هو أن يطلع النهار وهي على قيد الحياة لأحملها على كتفي وأذهب إلى مستشفى خيري وافق على قبولها قبل أن أستكمل أوراق علاجها فى التأمين الصحي.. وفى مرة من مرات الغسيل، ساءت حالتها وأخبرني الطبيب أن الفشل قضى على إحدى كليتيها، وقال لي إنه لابد من استئصالها ونقل «كلية» سليمة لها، وإلا ستصاب بفشل كامل في الاثنتين.. وتموت.
كنت أسمع صوت الطبيب وكأني في كابوس فظيع أريد أن أصحو منه.. حملت ابنتي وذهبت إلى البيت.. وضعتها فى فراشها وخرجت أبكي.. من أين وكيف؟! فإذ بيد تربت على كتفي وصوت أسمعه كالحلم يقول «أنا يا ماما هتبرع بكليتي لسارة أختي» احتضنته واشتد بكائي.. ولدي الأكبر أصبح رجلا وهو لم يكمل عامه الثاني عشر، وبعد ليلة كئيبة عشتها ذهبت بابنتي إلى المستشفى، وقلت للطبيب وجدت المتبرع، ففرح وقال «هاتيه ناخد منه عينة دم ونجري له بعض الفحوصات» فمددت له ذراعي.
نعم سيدي، نقلت كليتي لابنتي.. ولو طلبوا حياتي لأحد أبنائي لقدمتها وأنا سعيدة.. ونجحت العملية وبدأت حالة سارة تستقر، ولأنه لا مورد رزق لهم - بعد الله سبحانه وتعالى- إلا أنا، فقد خرجت لعملي الشاق قبل أن يلتئم جرحي، ولم أخبر ابني الأكبر بما حدث، وكان كلما سألني أقول إن حالتها تحسنت.. خوفي على سارة وانشغالي بمرضها أنساني طفلي «محمد»، الذي لم يكمل عامه الثالث، حتى وجدته يشكو من آلام في بطنه، فقلت: ألم بسيط وسيزول، لكن تكرر الألم فكشفت عليه!!
أصيب محمد بفشل كلوي.. نعم سيدى.. أصبح اثنان من أبنائي مصابين بفشل كلوي يحتاج كل منهما إلى رعاية مستمرة، ما حدث لي قد لا يصدقه عقل، لكن هي الحقيقة المؤلمة التي عانيتها، وما زلت مع أبنائي والمرض وقلة الحيلة والرزق، وأنا أقابل المصائب وحدي دون سند إلا الله - سبحانه.. كان المستشفى الخيري الذي يعالج محمد وسارة رحيما بنا، فاستقبل ابني بعد أن قابلت مدير المستشفى وحكيت له قصتي فوجدته إنسانا طيبا خيِّرا، قال بابتسام رقيق «ما تشليش هم... ربك كريم»، لكن كثرة الحالات التي يستقبلها كل يوم، كانت تستنزف الأجهزة والمستلزمات الطبية، ففي بعض الأحيان لم أكن أجد جهازا خاليا، وأحيانا أخرى لا نجد أدوات تجهيز الغسيل، فكنت أشتريها، ويعلم الله وحده كيف كنت أدبر ثمنها.
سيدي.. سيظن قراء بريدكم أنني بعثت رسالتي هذه لينظر لي أهل الخير بمساعدة مادية أو علاج لـ«سارة ومحمد».. لكني بكل ثقة وصدق ويقين فيما أقول.. كل ما أتمناه أن ينظر الناس إلى هذا المستشفى الخيري وإلى الأطفال المرضى الموجودين فيه، فجميعهم من أبناء الفقراء ويعالجون بالمجان، وفي بعض الأحيان لا تتوافر لهم الإمكانات.
احمدوا الله على نعمة الصحة ورزقه مهما كان قليلا، فمال الدنيا كله لا يساوى لحظة ألم ووجع نراها فى عين طفل مريض.. أى طفل!! أريد ألا ترى أي أم ما رأيته، وما دام هذا المستشفى بخير فسوف تكون «سارة ومحمد» في أمان، فأنا أتمسك بالحياة فقط لأجلهما بعد أن تدهورت صحتي بعد نقل كليتي لابنتي، وكثيرا ما أشعر بآلام تهاجمني من حين لآخر، أخشى أن تؤدي لموتي قبل أن أصل بأبنائي لبر الأمان.. وسأواصل مشواري حتى آخر نفس في صدري.. والله المعين.
الاثنين، 14 ديسمبر 2009
لحم الفقراء
أنا يا سيدى شاب تخطى العقد الثانى من عمره بسبعة أعوام، هذا بالنسبة لعمرى الحقيقى، لكن هيأتى وشكل جسدى لعجوز تخطى السبعين عاما..من أسرة فقيرة تعيش في إحدى قرى محافظة الشرقية، مكونة من أم وولدين وبنت، كانت والدتى تخرج لسوق القرية تبيع بعض الخضراوات، ولم يكن لنا مصدر رزق إلا هي بعد انفصالها عن والدى منذ أن ولدت تقريبا، وبرغم الفقر وقِلة الرزق إلا أن تطلعنا إلى الخروج من دائرة الفقر كان حافزا لى على النجاح والتفوق، وكل أحلام أسرتى كانت أن أدخل الجامعة.
كانت أمى وأخى وأختى يعملون في أي شيء ليوفروا لى مصاريف الدراسة، ولاقوا الكثير من أجلى، وكان ما يصبرنى ويصبرهم على هذا العناء هو أنه سيأتى يوم وأصبح ذا شأن وأرد الجميل، تخطيت السنة الأولى بتقدير جيد جدا، وبدأ الفرح يدخل بيتنا بعد سنوات من التعب والكد، لكن كانت الأقدار تخبئ شيئا لم يكن في الحسبان، وأراد الله أن تكون حياتنا كما أراد سبحانه وتعالى لا كما حلمنا أن نكون، فذات يوم وأنا في طريقى إلى الجامعة إذ بسيارة شرطة تسير بسرعة جنونية تصطدمنى من الخلف لتتركنى كومة من اللحم تغطيها الدماء، وظللت أنزف لأكثر من ساعة، بعدها حملنى الناس إلى المستشفى بعد أن يئسوا من وصول الإسعاف.
ونجوت بإعجوبة من هذا الحادث بعدة عاهات مستديمة، كان سببها سوء التعامل مع حالتى، وكتب الله لى الحياة ربما لمصير أصعب من الموت، فقد خرجت من الحادث بكسور في جميع جسدى، لأبدأ بعدها رحلة علاج مريرة ذقت فيها وأهلى جميع ألوان العذاب والذل، حتى أصبح جسدى حقل تجارب لدكاترة الامتياز في كليات طب مصر، اتنقل من مستشفى جامعى إلى آخر باحثا عن أقل التكاليف، فليس لأمثالنا إلا هذه المستشفيات التي تفتقد لكل معانى الرحمة
والإنسانية والخوف من الله.ما أصعب المرض يا سيدى عندما يصيب الفقراء فيزيد معاناتهم بجانب الحرمان والجوع، فقد يهون الفقر أمام الصحة، لكن أن يجتمع الفقر والمرض معا فهذا أمر لا يمكن تصوره وأدعو الله ألا يكتبها لأحد، وبعد مشوار طويل من الألم قال أحد الأطباء لوالدتى « لو عايزه ابنك يمشى تانى على رجليه.. خديه من هنا » يقصد أحد المستشفيات الجامعية الذي كنت أعالج فيه.
وبالفعل خرجت على كرسى متحرك، وذهبت بى أمى إلى أحد الأطباء المشهورين فطلب مبلغا كبيرا لإجراء عملية جراحية، بعدها أستطيع المشى.. طرقت أمى كل الأبواب ولم يغثها أحد، ولم تجد شيئا تبيعه لتعالجنى إلا كليتها..
نعم سيدى.. الفقر يجعل الإنسان يبيع لحمه لينقذ أخيه أو أبيه أو ابنه أو أمه، ما كان أمام أمى إلا أن تبيع جزءا من جسدها لتنقذ ابنها من العجز أو الموت، والغريب يا سيدى أنها وجدت من يشترى بل أكثر من مشتر، وأخذوا يزايدون.. حتى أجسادنا الهزيلة لم يرحمها أصحاب المال، ووجدوا فيها «سبوبة» يتربحون منها دون أن يسألوا أنفسهم.. لماذا الإنسان يبيع جزءا من جسده؟
وعندما عرف أخواتها «أخوالى» بهذا الأمر منعوها، ليس خوفا عليها، ولكن خوفا من العار الذي سيلحق بهم إذا فعلت ذلك، فجمعوا لها مبلغا قيمته 20% من المبلغ المطلوب للعملية.
وعندما عرفت بما فعلته أمى لأجلى شعرت بالحسرة والعجز والذل، وانتابنى حزن واكتئاب لدرجة إننى فكرت في الانتحار أكثر من مرة.. وحاولت، لكن إيمانى بالله وخوفى منه منعانى، واعتبرت عجزى هذا قدرا كتبه الله لى.. فكيف أجزع من إرادة الله!!
وحمدت الله واستغفرته، لكن كل ما كان يعذبنى ويبكينى هو حالة أمى التي لم تجف لها دمعة منذ أن أصبحت طريح الفراش، وهى ترى حلم العمر وولدها الأكبر كومة آدمية لا يتحرك فيها إلا العينان واللسان، وأخيرا اهتدت أمى إلى بيع البيت الذي نعيش فيه بعد أن أقنعتها بأن بيع كليتها حرام، وأننى لن أقبل أن أعالج بفلوسها، كان الأمر صعبا علينا لكن ما باليد حيلة.. باعت أمى البيت، وأُجرِيت لى عملية تم فيها تركيب عدة شرائح ومسامير، استطعت بعدها أن أمشى على عكازين.
مر عام وأنا طريح الفراش أتحرك بطريقة معينة، وأى خطأ يحدث تكون نتيجته كسرا جديدا أو نزيفا في أي جزء من جسدى، أثناء هذه الفترة لم أذهب للكلية، ولم أستطع حضور الامتحان فرسبت.
كنت في العشرين من عمرى والدنيا كلها تضحك لمن في مثل سنى إلا أنا، جلوسى وحدى لساعات طويلة علمنى التأمل في الأشياء وفى خلق الله وتصرفاتهم، وأن ما حدث لى ما هو إلا ابتلاء ومصيبة مكتوبة لى.
ووضعت قول الله سبحانه وتعالى: « وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون..»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( أمرهم كله لهم خير إن أصابتهم سراء شكروا، وإن أصابتهم ضراء صبروا ) أمام عينى وفى عقلى وقلبى، وتعلمت كيف يكون الصبر على المصائب مهما تكن صعوبتها، فلم أقنط أو أعترض، وكل ما أفكر فيه هو كيف أخرج أمى من الحزن الذي سكنها منذ الحادث.. كان الألم يقتلنى وأبتسم..لا أتوجع أو أشكى حتى لا أزيد من هموم أمى وأخوتى.. أليس كتم الآه يا سيدى عذاب آخر أشد من الألم نفسه؟
كانت المفاجآت مازالت تعبس بحياتنا وهى تخرج تِباعا من جعبة الأيام، فما أن خرجتُ من المستشفى حتى شعرت أمى بألم في بطنها، وبعد الكشف والتحاليل تبين أنها مصابة بالفيروس الكبدى، وتطلَّبْ علاجها شراء بعض الأدوية المكلفة التي لا نملك منها مليما واحدا، خاصة بعد أن بعنا كل ما لدينا، وليس لنا أي دخل إلا ما يقدمه أخى الأصغر، ولا يكفى شيئا.
توقفت عن الدراسة في الكلية وأخذت أبحث عن عمل، وكان من الصعب أن أجد عملا يقبلنى بعكاذى، لكن رحمة الله واسعة، عرف أحد الصالحين بقصتى فأخذنى لأعمل عنده في محل بقالة براتب شهرى خصصته كله لشراء الدواء لأمى، لن أحكى لك يا سيدى عن مدى البؤس والحرمان الذي عشناه، حتى إننى كنت اقطع الرغيف نصفين بينى وبين أخى لنأكله عشاء أو غداء، وكنا نأكل أي شيء لنوفر ثمن العلاج لأمى، وكثيرا ما نمنا ليال بدون عشاء، وأنا أسخر من المثل الذي يقول « ما حدش بيبات من غير عشا » لأ.. فيه.. وفيه أكثر مما يتخيله البشر!!
كنت راضيا بل كنت سعيدا بأننى أستطيع توفير ثمن العلاج لأمى، وذات يوم أتى لى أحد أصدقائى وأشار علىَّ أن ألتحق بمعهد الخدمة الاجتماعية لأنه لن يحتاج إلى مصاريف كثيرة، وفى الوقت نفسه أستطيع الحصول علي شهادته وأنا أعمل، سحبت أوراقى من كلية الحقوق بعد أن فقدت الأمل في الاستمرار فيها، ويعلم الله وحده كيف كانت حالتى يومها وكيف تصبح حالتى كلما تذكرت ذلك اليوم.
أنهيت الدراسة بالمعهد وحصلت على شهادته وأنا ما زلت أعمل، لكن القدر كان يخبئ شيئا آخر لتكتمل المأساة، فإذ بصندوق خشبى به بضاعة يقع فوق زراعي اليمنى فيهشمها، وآخر فوق رأسى أصابنى بعمى نصفى، لأرى الدنيا نصف رؤية، حيثُ يكسو الضباب كل ما أراه، أما زراعى فقد تم تجبيسها بطريقة خطأ أحدثت بها شبه شلل، لا أستطيع استخدامها في رفع ورقة من الأرض وتحتاج إلى عملية مكلفة لتعود إلى طبيعتها، فأصبحت بزراع مشلولة وأخرى مكسورة، بجانب الشرائح والمسامير المثبتة في جسدى وتوخزنى في كل حركة، وتدهورت حالتى الصحية نتيجة ما تجرعته من أدوية على مدى مشوار مرضى الذي استمر لأكثر من سبع سنوات وسيظل يلازمنى حتى نهاية العمر.
وأخيرا رقدت بجوار أمى وتراكمت علينا الديون، أما أخى الأصغر فيعمل باليومية ولا يكفى ما يتحصل عليه شراء ولو 10% من علاج أمى أو علاجى، أنا لا أبالى بما أنا فيه من ألم ووجع وعجز، بل لم أعد أشترى أي دواء، فقد تأقلمت على الألم ورضيت والحمدلله، وكل ما يشغلنى ويحزننى ليس ما بى من عجز وألم، لكن ما تعانيه أمى من المرض ولا أستطيع فعل شيء لها.
سيدى.. هذه حكاية شاب في السبعينيات من العمر، برغم أن تاريخ الميلاد والأوراق الرسمية تقول أن عمرى 27 عاما، لكن كيف نصدق الأوراق ونكذب الواقع، فهذا هو حالى.. شاب عجوز بفعل المرض وحوادث الدهر ـ عافاكم الله ـ استخرت الله بعد أن أشار علىَّ فاعل خير أن أرسل لكم حكايتى لتعينونى على ما أنا فيه بعمل أو وظيفة أو أي مشروع أعيش منه وأسرتى.
الخميس، 3 ديسمبر 2009
رسالة إلى فرعون مصر
لقد نُصِبْت لتسمع الشكاوى
وتُكبح جماح اللص
ولكن تأمّلْ
فإن ما تفعله
هو أنك تعاضد اللص
...........
تأمل إنك صقر لعامة القوم يعيش على أحقر الطيور
أنظر إنك حاكم يسرق
أنظر إنك إنسان مُنغمس فى إرضاء ملاذه
تأمل أيها الأحمق فإنك قد ضُرِبت
وتأمل أيها المغفل فإنك قد استُجوِبت
هل أنت لص ؟
هل يُحضر
إليك بجنود لتصاحبك عند تقسيم الحقول.....هذه الكلمات الفاصلة الملخصة لحال البلاد ليست لا سمح الله من " دماغ " العبد لله، وإلا وضعت نفسى فى مأزق " فيرانى " وأعطيت لـ " القط " فرصة قطع ذيلى ـ لسانى يعنى ـ الذى أتوقع له مصيرا مش حلو خالص ..
هذه الكلمات كانت لفلاح مصرى قديم بعث بها إلى صاحب السلطة فى مصر "رنزى بن مرو" فى منطقة تسمى وادى الملح فى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وخلاصة القصة ـ علشان ما نطولش عليكم ـ أنه ..
كان فيه فلاح بسيط فقير عنده قطعة أرض صغيرة بيزرعها، وكل موسم حصاد يحمل على حماره المحصول ويمشى بجواره مسافرا إلى المدينة لكى يبيعه، وذات يوم وهو فى طريقه لبيع المحصول فى المدينة اعترضه " تحوت نخت " أحد كبار الموظفين فى الدولة واغتصب حماره المحمل بالبضاعة ـ يعنى سرقه أو أخذه غصبا .. آااايوه أخذه غصبا ـ أخذ يصيح فيه الفلاح رافضا ما فعله هذا الحرامى الميرى، ولكن لا جدوى من صراخه ولم يسمعه أحد.

جلس الفلاح يفكر .. ماذا يفعل ؟ وماذا يقول لأبنائه وزوجته ؟ وكيف سيعيشون فى الأيام القادمة بدون نقود أو خزين للطعام ؟ وظل الفلاح حائر البال حزين الحال .. ينظر للسماء مرة وينظر للأرض مرة ثم يجلس واضعا رأسه بين يديه يكاد يحطمها من فرط التفكير فيما هو قادم والمصير المنتظر ..
وفجأة برقت فى ذهنه فكرة فانتبه شارعا رأسه فى الهواء وعلى وجه ملامح ابتسامة خجلى .. نعم سأفعل وأخذ يبحث حوله عن شىء يكتب به شيئا فلم يجد، ما العمل ؟ سأذهب إلى الرئيس " فرعون مصر " وأحكى له ما فعله " تحوت نخت "، وذهب الرجل إلى فرعون مصر يعرض عليه الأمر، ووقف بين يديه يشكى له رجل الدولة الذى سلبه قوته، كان الرجل منفعلا غاضبا، لكنه كان فصيحا متكلما يجيد فن الحديث والإقناع، فأعجب الفرعون بفصاحته وحسن بيانه ووجد كثيرا من المتعة فى سماع خطابه، فيأمر ألا يُبَتْ فى أمره، وظل الفرعون صامتا حيال كل ما يقوله الفلاح حتى يستمر فى خطابه البليغ، بل ويأمر بتدوين هذا الخطاب على صحائف البردى حتى يُتلى عليه فيما بعد، ويأمر بإمداد الفلاح وعائلته بالزاد سرا دون إعلامه بمصدر ذلك الإمداد، وعاقب السارق ورد للفلاح أملاكه وكافأه على جرأته وعدم تنازله عن حقه .
هذه القصة سجلها التاريخ فى ذاكرته من آلاف السنين عن حقبة اتصفت بانهيار الدولة وإعادة تشكل صورة الحاكم الإله المنزه، فبعد هذا الحادث لجأت السلطة إلى الكتابات بهدف التأثير فى الرعايا خاصة الرعايا الرافضين لفساد السلطة .. وما كان موقف الفلاح من السلطة من وجهة نظر الحاكم إلا تجرأ لم يعهده من قبل، لفت انتباهه إلى أنه برغم بطش الحاكم وحكومته إلا أن هناك من يجرؤ على الخروج عليه ورفض بطشه مهما كانت العاقبة .. فما الذى يضير الإنسان بعد سلب قوته؟! وبرغم بطش الحاكم إلا أن ذلك لم يمنع الفلاح من انتقاده الحاد للسلطة.
أردت أن أستدعى هذه القصة لما لها من مغزى وعبرة لنعرف أن الحياة لا تدوم على حال مهما تكن مثالية البشر فيها، فالفساد موجود من آلاف السنين، لكن الشعوب تتصدى له وتثور عليه مهما تكن العاقبة، كل الشعوب لا ترضى البقاء لمن يسعى فيها فسادا .. كل الشعوب تستشعر الخطر وتعرف كيف تدرأه .. وكما قال الحاج حسن " كل السنين هاتمر وكل الفاسدين هايموتوا لكن هاتبقى مصر" ..
والقصة هى هى .. ظالم ومظلوم .. خير وشر .. فقراء وأغنياء .. حاكم ومحكومون .. عسكر وحرامية .. حكومة وشعب .. و .. و .. و .. و ..
السبت، 31 أكتوبر 2009
د. مصطفى محمود
هذا المقال من كتاب « أناشيد الإثم والبراءة» للدكتور مصطفى محمود .. رحمه الله
تأملوا كلماته ومعانيها وفلسفته العبقرية فى تفسير الحب والموت والأحاسيس والمشاعر التى تنتابنا ... المقال تحفة وإثراء للروح والعقل
لا يوجد وهم يبدو كأنه حقيقة مثل الحب..
و لا حقيقة نتعامل معها و كأنها الوهم مثل الموت!! فليس هناك أمر مؤكد أكثر من الموت، و مع ذلك لا نفكر أبدا بأننا سنموت، و اذا حدث و فكرنا لا يتجاوز تفكيرنا وهما عابرا عبور النسيم، والعكس في حالة الحب، فبرغم أن الحب دائما أمر يزينه الخيال و يضخمه الوهم و يجسمه التصور و تنفخ فيه الشهوات، و برغم أن الحب يشتعل و ينطفئ و يسخن و يبرد و برغم أن أحواله و تقلباته تشهد بأنه وهم كبير، إلا أننا نتعامل معه بالرهبة والتقديس والاحترام والخضوع.. و نظل على هذا الخلط والاختلاط حتى نفيق على الصدمة، فنصحو ونستعيد رشدنا لأيام أو شهور أو سنوات، ولكن لا نلبث أن نستسلم إلى إغماء جديد.
وسبب الخلط والاختلاط هو دائما خطأ في النسبة.. فنحن دائما ننسب الجمال الذي شاهدناه والحنان الذي تذوقناه إلى صاحبته، مع أنها ليست صاحبته ولا مالكته.. ولو امتلكت امرأة جمالها لدام لها.. ولكن الجمال لم يدم لأحد، لأنه منحة وإعارة من الله بأجل وميقات وهو قرض يسترده في حينه.. فصاحبه ومالكه هو الله وليس أي امرأة.
وكذلك كل ما نعشق من حنان ومودة ورأفة وحلم وكرم كلها خلع ومنح وأوصاف مستعارة من الودود الرءوف الحليم الكريم.. وهو مالكها بالأصالة.. ونحن نملكها عنه بالقرض والإعارة.
ولكن العين التي تعشق الجمال تخطئ نسبته وملكيته فتظنه لصاحبته فتعشق صاحبته وتعبد صاحبته.
وهي تظل في هذا الوهم حتى تفيق على القبح يطل من تحت المساحيق والقسوة تظهر من وراء الأهداب، فتصحو على الصدمة وتعاني وتتعذب وتندم وتعتبر وتتوب ثم تعود فتنسى وتنزلق إلى وهم جديد..
وتلك هي الغفلة المستمرة التي نعيش فيها جميعا.. نفيق منها لحظات لنعود فنغرق في سباتها من جديد، ولا يسلم من هذا البلاء إلا نبي معصوم أو ولي عارف يحفظه ربه ويسدل عليه كنفه.. فلا يرى حيثما تولى إلا وجه الله.
(فأينما تولوا فثم وجه الله)
فهو الجمال في كل جميل وهو الرأفة والحنان والكرم والحلم والمودة.. فتلك أسماؤه تتجلى في أواني الطين والخزف الشفافة التي شفها الإحساس حتى أصبحت مثل الكريستال المضيء، تماما كما يرى الفلكي نور القمر فيعرف أنه ليس نوره بل نور الشمس تجلى عن وجهه.
وهكذا لا يرى هذا العارف أينما تولى إلا وجه الله.. وهو دائم الهمس الله.. الله.. الله.. الله.. الله.. وهو ناظر دائما إلى الظاهر وليس إلى المظاهر.. ناظر إلى الله الظاهر دائما في كل شيء.. لا يطرف.. متعلق بالمعاني وليس بالأواني.
وهو لهذا لا ينقسم ولا يتشتت ولا يضيع في التلفت، وإنما هو مجذوب الفؤاد إلى الله على الدوام.
ولكن أمثال هذا الرجل قليل نادر مثل الألماس واليورانيوم، وأمثاله لا يتجاوزون
أفرادا وآحادا بين ألوف الملايين من الحشد المغمى عليه، وهي غفلة عامة غالبة لا ينجي فيها علم ولا ثقافة ولا دكتوراه ولا ماجستير، فتلك أبواب غرور تزيد من الغفلة.. فنرى العالم يضع علمه في خدمة هواه، وعقله في خدمة عاطفته، ومواهبه في خدمة شهواته، فتصبح بلواه مضاعفة وصدمته قاصمة للظهر.
ويمضي العمر في سلسلة من الغفلات والإغماءات مجموعها في الختام صفر، أو هي في الحقيقة حاصل طرح وليست حاصل جمع، فمجموعها في النهاية بالسالب وليس بالموجب، فحياة صاحبها إلى نقصان يوما بعد يوم و سنة بعد سنة.. يخرج من وهم إلى وهم، ومن خدعة إلى خدعة.. حاله مثل حال الشارب من ماء مالح، كلما ازداد شربا ازداد عطشا.. لا يحصل على سكينة ولا يبلغ اطمئنانا، وإنما هو هابط دوما من قلق إلى قلق، ومن تمزق إلى تمزق، ومن تشتت إلى تشتت، حتى تنتهي حياته بلا ثمرة، وينتهي تحصيله بلا جدوى.
وتلك هي العقلية الاستمتاعية السائدة اليوم في عالم وثني، أصنامه اللذة والغلبة والهوى.. معبود كل واحد نفسه، وكتابه رأيه، ودستوره مصلحته.
والحال في الأمم المتخلفة والنامية أسوأ مما هو في الأمم المتقدمة.. وهي أمم مجموعها أحيانا (حاصل طرح أفرادها)، وليس حاصل جمعهم، لأنهم منفرطون منقسمون متباعدون كالجزر التائهة في البحر.. يضرب بعضهم بعضا.. وعزمهم مستهلك.. وقوتهم لا شيء..
يتحدثون عن الوحدة.
ولا وحدة إلا بالواحد.
هو وحده الواحد لا إله إلا هو، الذي يخرج به كل واحد من شتات نفسه وتخرج به الأمم من تفرقها ويخرج به العالم من انقسامه.
والقضية بالدرجة الأولى قضية إيمان.
هي قضية رؤية..
كيف نرى العالم..؟
وكيف ننظر فيما حولنا..؟
وكيف نحب..؟
هل نستطيع أن نكون ذلك العارف الذي لا يرى في كل شيء إلا الواحد.. و لا يبصر إلا وجه ربه في كل محبوب.
هل يمكن أن نكون مصداق الآية:
(أينما تولوا فثم وجه الله)
وفي هذا الإطار نحب وفي هذا الإطار نكره.. فنبذل المروءة والمعروف والمودة للجميع ولا يكون لنا تعلق ولا يكون لنا حب إلا الله وبالله وفي الله.
ذلك هو الجهاد الصعب.
ولا اختيار..
ولا طريق آخر.
وكل واحد وعزمه.
وكل واحد وهمته..
وعبرة كل حياة بختامها.. فلنسارع إلى المجاهدة ولنشمر السواعد حتى لا يكون محصول حياتنا صفرا، وحتى لا يمضي بنا كل يوم إلى نقصان، وحتى لا يصبح كل يوم من أيامنا مطروحا من الذي قبله.
إنما خلق الله الغواية لامتحان القلوب و ليعرف الكبار أنفسهم وليعرف الصغار أنفسهم من البداية..
منقول من كتاب «أناشيد الإثم والبراءة» لاستأذنا الفاضل العالم المفكر الدكتور مصطفي محمود .. رحمه الله وجعل الجنة مأواه وجزاه عن علمه خير الجزاء

