الخميس، 17 سبتمبر 2009

جهنم



أماكن فى القرآن 

جهنم
على جاد 


مكان كلما ذكر فى القرآن الكريم دعونا الله ألا نكون من أصحابه واستجرنا ولجأنا إلى الله بالدعاء والصلاة أن ينقذنا منه .. لفظه فيه رهبة ونطقه فيه شدة والوعيد به يكفى لمن خاف واتعظ .. جهنم ما هى ؟ وأين مكانها وما صفتها ؟ ولمن أعدت وتجهزت؟ وهل هى نار أم جحيم أم مجموعة متنوعة من ألوان العذاب ؟ أسئلة كثيرة تدور فى ذهن الناس عند تذكرها..


فهى المقر لمن كفر وضل وعاش حياته فى غى، خلقها الله تعالى وجعلها مقرا لأعدائه المخالفين لأمره، وملأها من غضبه وسخطه وأودع فيها أنواعا من العذاب الذي لا يطاق، وحذر عباده من بأسها وشدة عذابها، فبين لهم السبل المنجية منها، فمن خالف وعاند وتمرد واتبع هواه فهى المأوى والمهاد والخلود، لمعصيتهم جهلا منهم بحق ربهم عليهم وجهلا منهم بحقيقة جهنم التي توعدهم الله بها، ذكرت فى القرآن الكريم (77) مرة تقريبا، وكان أول ذكر لها فى سورة البقرة وآخر ذكر لها كان فى سورة البينة.

"وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد".. سورة البقرة الآية (206)

لم أجد وصفا شافيا فى ماهية جهنم إلا بعض الأوصاف التى ذكرت فى القرآن من أحوال أصحابها وكيف يكون عذابهم فيها، وهناك أحاديث ضعيفة وموضوعة كثيرة قيلت فى وصف جهنم كان أشهرها أن جبريل أتى للنبى صلى الله عليه وسلم وأخبره فى حديث طويل عن بعض أوصافها، وعندما تحققت من روايته وجدت أغلب الأئمة وضعوه وضعفوه، وإذا حاولنا تجميع ما قيل فى القرآن عن ألوان العذاب فى جهنم لكان لدينا رصيد كافي فى ماهيتها، لكن لضيق المقام هنا سنكتفى بمعلومات بسيطة عنها، ففى تفسير هذه الآية اختلف المفسرون وأهل العلم فى تأويل من عنى بها، فذكر القرطبى والطبرى فى تفسيريهما أنه كل فاسق ومنافق...

ويعني بذلك جل ثناؤه : وإذا قيل لهذا المنافق الذي نعت نعته لنبيه - عليه الصلاة والسلام - وأخبره أنه يعجبه قوله في الحياة الدنيا : اتق الله وخفه فى إفسادك في أرض الله، وسعيك فيها بما حرم الله عليك من معاصيه، وإهلاكك حرث المسلمين ونسلهم، استكبر ودخلته عزة وحمية بما حرم الله عليه، وتمادى في غيه وضلاله، قال الله جل ثناؤه : فكفاه عقوبة من غيه وضلاله صلي نار جهنم ولبئس المهاد لصاليها، قال صلى الله عليه وسلم: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي، والزقوم هى شجرة فى قعر جهنم يأكل أهل جهنم منها.




هنا يقسم الله سبحانه وتعالى بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى الميعاد مع الشياطين " فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا" سورة مريم الآية68، يقول القرطبى فى تفسيره لهذه الآية، أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم، قيل يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة، كما قال " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم " سورة الصافات الآية (22)، والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، فيقرنون كل كافر مع شيطان في سلسلة فإن قلت هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين ؟


يقول القرطبى إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة، وهنا لا يعزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء، ولم يفرق بينهم في المحشر وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم، فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم، ومعنى إحضارهم جثيا أى أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم لا يمشون على أقدامهم...

وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو، قال الله تعالى: " وترى كل أمة جاثية " سورة الجاثية الآية (28) يتجاثي أهلها على الركب لما في ذلك من القلق والخوف والترقب أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا، وإن فسر بالعموم فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم على أن " جثيا " حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين لأنه من توابع الوقوف للحساب، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، وقال الحسن والضحاك جاثية على الركب، أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما.

وفى آخر آية ذكرت فيها جهنم كانت فى سورة البينة يقول سبحانه وتعالى :" إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية" سورة البينة الآية (6)، قال ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية إن سبحانه وتعالى يخبر عن مآل الفجار من كفرة أهل الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة أنهم يوم القيامة في نار جهنم خالدين فيها أي ماكثين لا يحولون عنها ولا يزولون، فهم شر الخليقة التي برأها الله وذرأها، وذكر الطبرى أيضا أن الذين كفروا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فجحدوا نبوته، من اليهود والنصارى والمشركين جميعهم ماكثين لابثين فيها أبدا لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها .. اللهم أجرنا منها واشملنا برحمتك وعفوك ورضاك يا أرحم الراحمين.

نشرت بجريدة (السياسة الكويتية) يوم الجمعة 28 رمضان 1430 هـ / 18-9-2009
http://www.al-seyassah.com/PDF/09/SEPT/18/33.pdf


الأربعاء، 16 سبتمبر 2009

إرم






أماكن فى القرآن

إرم

على جاد

مكان اليوم من الأماكن التى حيرت المفسرين والجغرافيين والمؤرخين وعلماء الأنساب المسلمين، حتى اكتشفت أخيرا بعثة أوروبية من وكالة ( ناسا) منطقة تحت الرمال حددها المؤرخون والأثريون بأنها بين اليمن وعمان، وهى الآن تسمى ( الشيصار)؛ وجد بها العديد من المجاري المائية الجافة مدفونة تحت رمال الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غربا إلى أواسط آسيا شرقا‏....

وبعد دراسة مستفيضة أجمعوا على أنها آثار عاصمة ملك عاد التي ذكرها القرآن الكريم باسم ‏( ‏إرم‏)‏ كما جاء في سورة الفجر‏،‏ والتي قدر عمرها بالفترة من‏3000‏ ق‏.‏م‏.
‏وقد نزل بها عقاب ربها فطمرتها عاصفة رملية غير عادية‏، وعلى الفور تشكل فريق بحث علمى فى كل التخصصات كان منهم الدكتور العالم زغلول النجار من مصر، وفى عددها الصادر بتاريخ 17/2/1992 نشرت مجلة ( تايم) الأمريكية تعلن فيه عن هذا الكشف، فكتب أنه" تم اكتشاف قلعة ثمانية الأضلاع سميكة الجدران بأبراج فى زواياها مقامة على أعمدة ضخمة يصل ارتفاعها إلى 9 أمتار وقطرها إلى 3 أمتار، ربما تكون هى التى وصفها القرآن الكريم بـ" ذات العماد "، وكتبت صحف العالم عن هذا الاكتشاف، لكن قامت حرب الخليج فتم التعتيم على هذا الاكتشاف وتوقف البحث فيه لأهداف سياسية ودينية.

"ألم تر كيف فعل ربك بعاد* إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد" سورة الفجر الآيات ( 6 و7 و8 )


مدينة كانت عامرة غنية قوية شكلت قلب العالم فى زمانها فكانت الرائدة الزاهرة بعلمها وتقدمها فى مختلف العلوم، كان منها علوم الفن المعمارى حتى وصفها القرآن الكريم بـ ( ذات العماد)، حيث كانوا يبنون القصور المترفة والصروح الشاهقة، وكعادة الجبابرة والطغاة لم يشكروا نعمة الله عليهم فظلموا وطغوا فعاقبهم الله بعاصفة رملية وريح شديدة محملة بالأتربة قضت عليهم وغمرت دولتهم بالرمال فجعلت مدينتهم بكل صخبها وقصورها وهيمنتها كأن لم تكن.


يذكر الطبرى فى تفسيره لهذه الآية اختلاف أهل التأويل في معنى ( إرم) فقال بعضهم : اسم بلدة وهى الإسكندرية، وقيل هى دمشق، والصواب أن إرم إما بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك ردت على عاد للإتباع لها، وإما اسم قبيلة، كتميم وبكر، وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة، وقوله :( ذات العماد) قال بعضهم معناه : ذات الطول، وذهبوا في ذلك إلى قول العرب للرجل الطويل : رجل معمد، وقالوا : كانوا طوال الأجسام، بل قيل لهم ( ذات العماد) لأنهم كانوا أهل عمد، ينتجعون الغيوث وينتقلون إلى الكلأ حيث كان، ثم يرجعون إلى منازلهم .

جاء ذكر قوم عاد في سورتين من سور القرآن الكريم، سميت إحداهما باسم نبيهم هود‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ وسميت الأخرى باسم موطنهم الأحقاف‏، وفي عشرات الآيات القرآنية الأخرى التي تضمها ثماني عشرة سورة من سور القرآن الكريم جاء ذكرهم أيضا.
ذكر الشيخ حسنين مخلوف في تفسيره "صفوة البيان لمعاني القرآن" أن (عاد) هو‏:‏ عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام‏، سمي أولاده باسمه، وقيل لأوائلهم وهم الذين أرسل إليهم هود عليه السلام، وعاد الأولي تسمية لهم باسم أبيهم‏،‏ و( إرم) تسمية لهم باسم جدهم‏،‏ وقيل لمن بعدهم عاد الآخرة‏،‏ و‏( ‏إرم‏)‏ بدل أو عطف بيان لـ‏(‏عاد‏)، وقيل‏:‏إن‏(‏ إرم‏)‏ قبيلة من‏(‏عاد‏)‏ وهي بيت ملكهم‏،‏ فهي بدل بعض من كل‏، و(‏ ذات العماد‏)‏ صفة لقبيلة ‏(‏ إرم‏)‏ أي ذات الأعمدة التي ترفع عليها بيوت الشعر‏،‏ إذ كانوا أهل خيام وعمد ينتجعون الغيوث ويطلبون الكلأ حيث كان‏،‏ ثم يعودون إلى منازلهم‏،‏ وقيل‏:‏ ذات الرفعة والعزة‏،(‏ لم يخلق مثلها‏..)‏ صفة أخرى لها‏،‏ أي لم يخلق في بلادهم مثلها في الأيد والشدة وعظم الأجسام‏....

وللكشف عن حقيقة هؤلاء القوم ذكر المفسرون أمثال الطبرى والسيوطى والقزوينى فى تفسيرهم لهذه الآية أنهم كانوا من‏(‏ العرب البائدة‏)،‏ وهو تعبير يضم أمما كثيرة بادت واندثرت قبل بعثة النبى‏ ـ صلي الله عليه وسلم ـ بمئات السنين‏، ذكرنا بعضهم فى حلقات ماضية.
وقال المفسرون: إن مساكن قوم عاد كانت بالأحقاف‏ـ جمع حقف، أي‏ الرمل المائل ـ‏ وهي جزء من جنوب شرقي الربع الخالي بين حضرموت جنوبا‏، ومعظم الربع الخالي شمالا،‏ وعمان شرقا‏،‏ وأن نبيهم كان سيدنا هود‏ ـ عليه السلام ـ‏ وأنه بعد هلاك الكافرين من قومه سكن نبي الله هود أرض حضرموت حتي مات ودفن فيها قرب‏(‏وادي برهوت‏)‏ إلى الشرق من مدينة (تريم)‏، أما عن‏(‏ إرم ذات العماد‏)‏ فقد قالوا إنها كانت من بناء شداد بن عاد طمرتها الرمال‏ فهي لا تعرف الآن‏،‏ وإن ثارت من حولها الأساطير‏.‏

وذكر محمد على الصابونى ـ أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية ـ فى تفسيره "صفوة التفاسير‏" أن هذه الآية خطاب من الله عز وجل لنبيه .. أى ألم يبلغك يا محمد ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد، وهم قوم هود؟‏( ‏إرم ذات العماد‏)‏ أي عادا الأولي أهل ( إرم) ذات البناء الرفيع‏،‏ الذين كانوا يسكنون بالأحقاف بين عمان وحضرموت، ‏(‏ التي لم يخلق مثلها في البلاد‏)‏ أي تلك القبيلة التي لم يخلق الله مثلهم في قوتهم‏‏ وشدتهم‏،‏ وضخامة أجسامهم‏.‏


ولا يصدق أحد أن الربع الخالي‏،‏ وهو من أكثر أماكن الأرض قحولة وجفافا اليوم‏، كان مليئا في يوم من الأيام بالأنهار والبحيرات والبساتين والأنعام والينابيع والقصور والعمران‏ والبشر، كما أخبرنا القرآن الكريم، وكما وصفها علماء قدامى عاصروا هذه المدينة قبل هلاكها وكانوا قد رسموا لها الخرائط وكتبوا ونقلوا عنها أوصافا دقيقة أكد صحتها الاكتشاف الحديث ـ فسبحان الله.


نشرت بجريدة (السياسة الكويتية) يوم الخميس 27 رمضان 1430 هـ / 17-9- 2009 

الأخدود




أماكن فى القرآن

الأخدود


علي جاد


مكان اليوم عاش فيه قوم آمنوا بالله فأنكروا ألوهية البشر، فكان عقابهم الموت حرقا لاتخاذهم إلها غير ملك مدينتهم، لم يعلم عنهم أحد شيئا حتى ورد ذكرهم فى القرآن الكريم، أصحاب الأخدود .. سموا بذلك لأن ملك هذه المدينة أمر بحفر شق فى الأرض وإشعال النار فيه ليلقى كل من عصاه فى هذا الأخدود..
كان هذا المكان بأحداثه البشعة فى شبه الجزيرة العربية، وأخيرا تم اكتشاف بعض آثار مدينة قديمة بالسعودية دلت على أنها مدينة الأخدود، وهى حاليا تسمى " رقمات " وتقع على مساحة 5 كيلومترات مربعة على الحزام الجنوبي من وادي منطقة نجران (جنوب السعودية)، وقد صرح صالح آل مريح مدير إدارة الآثار بمنطقة نجران بأن منطقة الأخدود الأثرية تحتاج إلى ما يقارب 30 سنة لمعرفة جميع أسرارها، وأن ما تم اكتشافه للآن لا يمثل إلا جزءا من آثارها ومعالمها، وأن العظام الهشة السوداء والرماد الكثيف شاهدة على الحريق الهائل الذى لحق بمدينة الأخدود في عام 525 من الميلاد، وللآن تروي تلك الأطلال والمباني قصة أصحاب الأخدود.

" قُتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود"سورة البروج آية (4 و 5)

أصحاب الأخدود هم قوم كانوا ضحية ملك كافر ادعى الإلوهية وهيمن على قومه حتى قال لهم ما لكم من إله غيري، فظهر فيهم فتى آمن، فصبر وثبت فآمنت معه قريته، ذكر الطبرى قصتهم فى تفسيره لهذه الآية، وكذلك وجدت تفصيلها في صحيح الإمام مسلم، فقد ذكر الإمام أنه كان فى قرية أصحاب الأخدود غلام نبيه، لم يكن قد آمن بعد، وكان يعيش في قرية ملكها كافر يدّعي الإلوهية، وكان للملك ساحر يستعين به، وعندما تقدّم العمر بالساحر، طلب من الملك أن يبعث له غلاما يعلمه السحر ليحل محله بعد موته، فاختير هذا الغلام وأُرسل للساحر، فكان الغلام يذهب للساحر ليتعلم منه السحر..

وفي طريقه كان يمر على راهب، فجلس معه مرة وأعجبه كلامه، فصار يجلس مع الراهب في كل مرة يتوجه فيها إلى الساحر، وكان الساحر يضربه إن لم يحضر، فشكى ذلك للراهب، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر..

وكان في طريقه في أحد الأيام، فإذا بحيوان عظيم يسدّ طريق الناس، فقال الغلام في نفسه، اليوم أعلم أيهما أفضل، الساحر أم الراهب، ثم أخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، ثم رمى الحيوان فقلته، ومضى الناس في طريقهم، وتوجه الغلام للراهب وأخبره بما حدث، فقال له الراهب: يا بنى، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدل علي.

يقول الطبرى :كان الغلام بتوفيق من الله يبرئ الأكمه والأبرص ويعالج الناس من جميع الأمراض، فسمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فَقَدَ بصره، فجمع هدايا كثيرة وتوجه بها للغلام وقال له: أعطيك جميع هذه الهداية إن شفيتني، فأجاب الغلام: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن جليس الملك، فشفاه الله تعالى، فذهب وقعد بجوار الملك كما كان يقعد قبل أن يفقد بصره، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ فأجاب الجليس بثقة المؤمن: ربّي، فغضب الملك وقال: ولك ربّ غيري؟ فأجاب المؤمن دون تردد: ربّي وربّك الله، فثار الملك، وأمر بتعذيبه..

فلم يزالوا يعذّبونه حتى دلهم على الغلام، فأمر الملك بإحضار الغلام، ثم قال له مخاطبا: يا بني، لقد بلغت من السحر مبلغا عظيما، حتى أصبحت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما الذى يشفي هو الله، فأمر الملك بتعذيبه، فعذّبوه حتى دلهم على الراهب، فأُحضر الراهب وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى الراهب ذلك، وجيئ بمنشار، ووضع على مفرق رأسه، ثم نشر فوقع نصفين، ثم أحضر جليس الملك، وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى ففعل به كما فعل بالراهب، ثم جيئ بالغلام وقيل له: ارجع عن دينك فأبى الغلام، فأمر الملك بأخذ الغلام لقمة جبل، وتخييره إما أن يترك دينه أو أن يطرحوه من قمة الجبل..

فأخذ الجنود الغلام، وصعدوا به الجبل، فدعى الفتى ربه: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل وسقط الجنود، ورجع الغلام يمشي إلى الملك، فقال الملك: أين من كان معك؟ فأجاب: كفانيهم الله تعالى، فأمر الملك جنوده بحمل الغلام في سفينة، والذهاب به لوسط البحر، ثم تخييره هناك بالرجوع عن دينه أو إلقائه..

فذهبوا به فدعى الغلام الله: اللهم اكفنيهم بما شئت فانقلبت بهم السفينة وغرق من كان عليها إلا الغلام، ثم رجع إلى الملك، فسأله الملك باستغراب: أين من كان معك؟ فأجاب الغلام المتوكل على الله: كفانيهم الله تعالى، ثم قال للملك: إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به، فقال الملك: ما هو؟ فقال الفتى المؤمن: أن تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهما من كنانتي، وتضع السهم في القوس، وتقول: " بسم الله ربّ الغلام" ثم ارمني، فإن فعلت ذلك قتلتني.

يقول الإمام مسلم، استبشر الملك بهذا الأمر، فأمر على الفور بجمع الناس، وصلب الفتى أمامهم، ثم أخذ سهما من كنانته، ووضع السهم في القوس، وقال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه فأصابه فقتله، فصرخ الناس: آمنا بربّ الغلام، فهرع أصحاب الملك إليه وقالوا: أرأيت ما كنت تخشاه! لقد وقع، لقد آمن الناس، فأمر الملك بحفر شقّ في الأرض، وإشعال النار فيها ثم أمر جنوده بتخيير الناس، فإما الرجوع عن الإيمان أو إلقائهم في النار ففعل الجنود ذلك، حتى جاء دور امرأة ومعها صبي لها، فخافت أن تُرمى في النار، فألهم الله الصبي أن يقول لها: يا أمّاه اصبري فإنك على الحق.

نشرت يوم الأربعاء 26 رمضان 1430 هـ / 16-9-2009
حدث خطأ فى موقع الجريدة على النت .. فلم أتمكن من وضع رابط الحلقة كالعادة

القرية







أماكن فى القرآن

القرية

علي جاد


كل الأماكن التى تعرضنا لها كانت شاهدة على أفعال البشر بكل تفاصيلها، حلوها ومرها .. خيرها وشرها .. كفرها وإيمانها، وكأنها كتاب سطر فيها البشر أحداث حياتهم .. 

فاليوم نحن فى أنطاكية على حدود تركيا، بصحبة آية من آيات القرآن الكريم ذكرت هذه المدينة أو القرية، فهى واحدة من أشهر المدن الست عشرة التي أنشأها في مستهل القرن الثالث عشر، أحد القادة الذين خلفوا الإسكندر المقدوني، وتقع في شمال غربي سورية على نهر العاصي قرب مصبه.. يذكر ياقوت الحموى فى كتابه " معجم البلدان " أن أنطاقية عاشت حياة زاهرة قضت عليها الأطماع والتآمر على امتلاكها، فقد احتلها الرومان سنة 64 ق.م فدمروها بعد أن عرفت ازدهارا سياسيا وتجاريا وعمرانيا كبيرا..

 وفى سنة 528 م هجرها أهلها قبل أن تدمر الزلازل ما تبقى من مبانيها وسكانها، فتحها المسلمون بقيادة عبيدة ابن الجراح سنة 16 هـ/ 637م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم انتزعها البيزنطيون سنة 966م، وظلت خاضعة لحكمهم حتى استولى عليها الصليبيون سنة 1098م، وظلت المدينة فى يد الصليبيين فى الفترة الواقعة بين القرنين الثانى والثالث عشر حتى قيام الظاهر بيبرس بتحريرها منهم سنة 1268م، وبقيت تحت حكم المماليك إلى أن سقطت بيد العثمانيين سنة 1517م، وغدت واحدة من مدن سورية بعد التحرر من الحكم العثماني وألحقت إداريا بلواء اسكندرون الذي اقتطعته تركيا من سورية سنة 1939م، وهى الآن مزار سياحى يقصدها السياح لأهميتها التاريخية والدينية.

" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون " سورة يس الآية (13)

بداية أذكر ما اتفق عليه المفسرون والعلماء فى ماهية القرية المذكورة فى الآية الكريمة، فقد ذكر الطبرى فى تفسيره لهذه الآية وكذلك القرطبى، والإمام مسلم فى " صحيح البخارى " أن هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين، نسبت إلى أهل أنطبيس وهو اسم الذي بناها ثم غير الاسم لما تم تعريبه، وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام، فأرسل الله إليه ثلاثة : وهم صادق، وصدوق، وشلوم، والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، بأن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية، وإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل، قيل : رسل من الله على الابتداء، وقيل : إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله .

وذكر الأندلسى فى (التفسير الكبير) أن القرية المقصودة فى الآية الكريمة هى أنطاكية، يقول الأندلسى: لا خلاف في قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون الثلاثة، جمعهم في المجيء وإن اختلفوا في زمن المجيء، والظاهر من قوله تعالى "أرسلنا" أنهم أنبياء أرسلهم الله، ويدل عليه قول المرسل إليهم "ما أنتم إلا بشر مثلنا"، وهذه المحاورة لا تكون إلا مع من أرسله الله، وهذا قول ابن عباس وكعب، وقال قتادة وغيرهم إنهم من الحواريين بعثهم عيسى - عليه السلام - حين رفع وصلب الذي ألقي عليه الشبه، فافترق الحواريون في الآفاق، فقص الله قصة الذين ذهبوا إلى أنطاكية، وكان أهلها عباد أصنام، "فكذبوهما" أي كذبوا دعواهم إلى الله، وأخبرا بأنهما رسولا الله، " فكذبوهما فعززنا بثالث": أي قوينا وشددنا، فراجعتهم الرسل بأن ردوا العلم إلى الله وقنعوا بعلمه، وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط، وما عليهم من هداهم وضلالهم، وفي هذا وعيد لهم، ووصف البلاغ بالمبين، وهو الواضح بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، كما روي في هذه القصة من المعجزات الدالة على صدق الرسل من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت.

جاء خبر الرسل الثلاثة بأنهم كانوا مرسلين من عيسى ـ عليه السلام ـ فذكر ابن مسعود البغوى فى "تفسير البغوى" أن عيسى بعث رسولين من الحواريين إلى أهل مدينة أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار، فقال الشيخ لهما : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال : أمعكما آية ؟ قالا : نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال الشيخ : إن لي ابنا مريضا منذ سنين، قالا : فانطلق بنا نطلع على حاله، فأتى بهما إلى منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت - بإذن الله - صحيحا، فانتشر الخبر في المدينة، وشفى الله - تعالى - على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان حاكم المدينة ملك اسمه إنطيخس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، عندما عرف بخبر ما فعلاه دعاهما، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسولا عيسى، قال : وفيم جئتما ؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال : ألكما إله دون آلهتنا ؟ قالا : نعم، من أوجدك وآلهتك، قال : قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في سوق المدينة، قال ابن إسحاق عن كعب ووهب : إن الملك أجمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيب النجار، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله - عز وجل : " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قومى اتبعوا المرسلين " سورة يس الآية (20).

نشرت يوم الثلاثاء 25 رمضان 1430 هـ / 15 -9-2009

مقام إبراهيم





مقام إبراهيم


على جاد

مكان له مكانة لدى المسلمين كان قبل الإسلام يحظى بالمكانة نفسها، حتى إنهم جعلوا منه مزارا مقدسا والآن هو أثر إسلامى حفظه الله منذ إقامة القواعد من البيت العتيق، هو الحجر الذى وقف عليه الخليل عليه الصلاة والسلام حتى بنى الكعبة، وهو حجر رخو من نوع حجر الماء، لونه بين البياض والسواد والصفرة، مربع الشكل ويبلغ طوله نحو نصف متر، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه نبي الله إبراهيم الخليل (عليه الصلاة والسلام) حين ارتفع بناؤه للبيت، وشق عليه تناول الحجارة، فكان يقوم عليه ويبني، وإسماعيل (عليه السلام) يناوله الحجارة، وهو أيضا الحجر الذي قام عليه للنداء والأذان بالحج في الناس، والمقام حجر ليس بصنوان لونه بين الصفرة والحمرة وهو إلى البياض أقرب، وقد غاصت قدما الخليل فى هذا الحجر، فعمق إحدى القدمين 10 سم والأخرى 9سم، وقد انمحى أثر الأصابع مع مرور الأيام .


"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى .." سورة البقرة (آية 125)


كان المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، كما وصف ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية، وكان الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا بإتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب :" وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث : قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن حتى أتت إحدى نسائه قالت : يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات .. ) سورة التحريم الآية ( 5 ).


أصبح الحجر بعد ذلك أداة أسهمت فى بناء الكعبة فكان لزاما الحفاظ عليه إذ لا يعد كسائر الأحجار، ذكر ابن كثير والطبرى فى تفسيريهما لهذه الآية حديثا رواه البخاري بسنده عن عمرو بن دينار قال: سمعت عمر يقول " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين"، يقول ابن كثير فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة، ولما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، وهكذا حتى تم بناء جدران الكعبة، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه ولم يزل هذا معروف تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال : أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية : وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل .. أما الحفرتان الموجودتان فهما ناتجتان عن غوص قدما سيدنا إبراهيم في الحجر بعد أن لينه الله له.


في صحيح البخاري روى من حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) في قصة إبراهيم (عليه السلام) وبنائه للبيت، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "فعند ذلك رفعا إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت؛ فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"، ذكر هذا الحديث ابن كثير والطبرى فى تفسيريهما لهذه الآية وذكرا أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب "، وفى زمن عمر بن الخطاب لما دخل السيل الحرم المكى الشريف اقتلع المقام من مكانه، ولكن عمر رضى الله عنه بمشاورة أصحابه أعاده إلى مكانه.

وفى جلسة رابطة العالم الإسلامى المنعقدة بتاريخ (25 من ذي الحجة 1384هـ) صدر قرار من الرابطة بإزالة جميع الزوائد الموجـودة حول المقام، وإبقـاء المقام في مكانه على أن يُجعل عليه صندوق من البلور السميك القوي، وفى الثامن من شهر رجب سنة 1387هجرية وضع المقام داخل غطاء زجاجى مصنوع من البلور الفاخر على قاعدة رخامية، وأحيط هذا الغطاء بحاجز حديدي، وعملت له قاعدة من الرخام نصبت حول المقام لا تزيد مساحتها على 180 في 130 سنتيمترا بارتفاع 75 سنتيمترا، واتسعت رقعة المطاف وتسنى للطائفين أن يؤدوا مناسك الطواف في راحة ويسر، وخفت وطأة الزحام كثيرا.


نشرت يوم الإثنين 24 رمضان 1430 هـ / 14 -9-2009

مصر




أماكن فى القرآن

مصر
على جاد

مكان عرف قديما وحديثا، ومنذ آلاف السنين ويعد قلب العالم، تمتع بموقع جغرافي متميز، فكان ملتقي قارات العالم القديم أفريقيا وأسيا وأوروبا، مصر .. ذكرت فى القرآن الكريم أكثر من مرة كانت أشهرها فى قصة سيدنا يوسف وموسى عليهما السلام...

وكانت على الدوام ملتقى للتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وكانت البرزخ الذي مرت منه الديانات السماوية إلي العالم، فانعكس كل ذلك على تكوين الإنسان المصري، ليتمسك بقيم التسامح والاعتدال والتفاعل مع الآخر، وقد شهدت مصر خلال الحكم الإسلامي نهضة شاملة فى العمران والفنون تمثلت فى العمارة الإسلامية بإنشاء العديد من المساجد والقلاع والحصون والأسوار، كذلك الفنون الزخرفية التى تمثلت فى أول عاصمة إسلامية فى مصر، وهى مدينة الفسطاط، وبها جامع عمرو بن العاص ويعد مقياس النيل بجزيرة الروضة أقدم أثر مصرى إسلامى والذى أنشأه الخليفة العباسى المتوكل بالله عام 245هـ.

"فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" سورة يوسف آية (99)

شهدت أرض مصر الكثير من الأحداث القرآنية لأنبياء فروا منها وأنبياء رحلوا إليها ليلتمسوا فيها الأمان، ففى قصة سيدنا يوسف ذكر ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية أن الله تعالى يخبر عن ورود يعقوب ـ عليه السلام ـ على يوسف، وقدومه بلاد مصر لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر....

فلما أخبر يوسف ـ عليه السلام ـ باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ ويقال إن الملك خرج أيضا لتلقيه، ثم لما وصلوا باب البلد قال :" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي مما كنتم فيه من الجهد والقحط ؟ ويقال إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أهل مكة حين قال(اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف) ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه ـ عليه السلام....

لقاء تملؤه اللهفة والشوق مدفوعا بحب أبوى ظل ملتاعا حيرانا قلقا على ابنه، لقاء بين نبيين على أرض مصر، ذكر الطبرى فى تفسيره لهذه الآية وصفا لهذا اللقاء، قال : لما ألقي القميص على وجهه ارتد بصيرا، وقال : ائتوني بأهلكم أجمعين ! فحمل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا أخبر يوسف أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه قال : وركب معه أهل مصر؛ وكانوا يعظمونه، فلما دنا أحدهما من صاحبه، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ أحد أبنائه يقال له يهوذا، قال : فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال : يا يهوذا هذا فرعون مصر ؟ قال : لا، هذا ابنك، قال : فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه، فذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع من ذلك، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال : السلام عليك يا ذاهب الأحزان عني، هكذا قال : "يا ذاهب الأحزان عني".

فرعون مصر ونبى الله موسى قصة عرفها الناس، بل يسترجع التاريخ أحداثها كل يوم وتدور أحداثها مع اختلاف الأشخاص والأدوار وطرق الاختلاف والاتفاق، يقول المولى عز وجل : "وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين" سورة يونس الآية (87)، ذكر ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية كيف بين سبحانه وتعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ـ عليهما السلام ـ أن يتبوآ أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتا..

واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: " واجعلوا بيوتكم قبلة "، عن ابن عباس قال أمروا أن يتخذوها مساجد، وقد كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، فلما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة خوفا من فرعون أن يقتلهم.

وعندما بحثت عن معنى اسم مصر وجدت فى كتاب "الروض الآنف" لابن هشام رأيا قال فيه: سميت مصر بمصر بن النبيط، ويقال ابن قبط بن النبيط من ولد كوش بن كنعان، وذكر ابن هشام أن بها قرية بالصعيد تسمى "حفن" هى قرية أم إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم، وهي التي كلم الحسن بن علي - رضي الله عنهما - معاوية أن يضع الخراج عن أهلها، ففعل معاوية ذلك حفظا لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ورعاية لحرمة الصهر، وقد تزوج النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مارية بنت شمعون التي أهداها إليه المقوقس، وأهدى إليه أيضا قدحا من قوارير فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب فيه، ويقال أن هرقل عزل المقوقس لما رأى من ميله إلى الإسلام، كما ذكر أن أم إسماعيل "هاجر" من قرية تسمى "أم العرب" من مصر.

نشرت يوم الأحد 23 رمضان 1430 هـ / 13 - 9-2009

الاثنين، 14 سبتمبر 2009

الصفا والمروة




أماكن فى القرآن

الصفا والمروة


على جاد


اليوم نتحدث عن مكانين ارتبط كل منهم بالآخر للدلالة على مكان واحد مقدس أصبح من مناسك الحج .. فالصفا هو مكان مرتفع عن الأرض؛ عبارة عن قطعة من جبل يسمى "أبي قبيس" ويقع في الجهة الجنوبية من الحرم، أما المروة فهو مرتفع مثل الصفا ويقع في الجهة الشمالية الشرقية من الحرم، والمسعى هو تلك المسافة بين المرتفعين (الصفا والمروة) وطوله 405 أمتار تقريبا، وقديما كان الزحف على عرض المسعى بالبناء يتم دون وازع ديني ولا رقيب، حتى انتبه القائمون على رعاية مشاعر الحج لذلك، فقاموا بتوسعة تمت فيها إزالة البيوت التى كانت تعوق الحجاج فى مسعاهم، لما فيه خير وراحة المؤمنين في تأديتهم للسعي بين الصفا والمروة وتسهيل سيرهم وحركتهم في هذه المنطقة التى تشهد زحاما شديدا كل عام.

" إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما .." سورة البقرة آية (158)


الصفا مشتق من الصفو، وهو الخالص، وقيل :هو الحجر الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب يتصل به، والمروة : هي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقيل : الصغار المرهفة الأطراف، هذا ملخص ما ذكره الأندلسى فى " التفسير الكبير"، وقال إن الصفا والمروة في الآية : علمان لجبلين معروفين، وقد نقلوا أن قوما قالوا : تم تذكير الصفا لأن آدم وقف عليه، وتأنيث المروة لأن حواء وقفت عليها، وقيل كان على الصفا صنم يدعى إسافا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر .

وفى سبب نزول هذه الآية وتفسيرها ذكر القرطبي في تفسيره أن ابن عباس قال : كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية، وقال الشعبي : كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية، وذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أن إسافا ونائلة كانا بشرين، زنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة : وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم لمفضى السيول من إساف ونائل.

وفى إشارة لأهمية السعى بين الصفا والمروة ذكر الألبانى فى كتابه " مناسك الحج والعمرة " موقفا لعروة بن الزبير حين قال ذات يوم للسيدة عائشة : " ما أرى إلا أن الرجل إذا حج وما طاف ولا سعى بين الصفا والمروة إلا أن حجه صحيح، قالت : ولم ذلك ؟ فتلى ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فقالت له السيدة عائشة : لو كان الأمر كما تقول لكانت الآية : ( فلا جناح عليه ألا يطوف بهما )، يقول الألبانى إن السيدة عائشة ـ رضى الله ـ عنها قالت ما خلاصته أن هذه الآية نزلت بعد ما آمن الصحابة واسلموا وعرفوا الإسلام، فصاروا يبتعدون عن جاهليتهم السابقة، حيث كانوا قبل الإسلام إذا جاءوا عند الكعبة وطافوا بين الصفا والمروة، كانوا يهلون لطاغوت من طواغيتهم هناك، ولصنم من أصنامهم، فلما هداهم الله تبارك وتعالى بالتوحيد والإسلام ترفعوا أن يضلوا، وأن يلبوا بالتلبية عند الكعبة وبين الصفا والمروة، لأنهم كانوا يعبدون هناك ذلك الصنم، فوجدوا أن من المناسب لتوحيدهم وإيمانهم بالله ألا يعودوا فيطوفوا فى المكان الذى كانوا يهلون ويلبون فيه باسم الطاغوت سابقا، فكانوا يتخوفون، وكان المسلمون يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى " إن الصفا والمروة .. "، لرفع الحرج الذى صار فى نفوسهم، فالطواف أمر من الله ولا حرج عليكم أن تطوفوا، ما دام أنكم كفرتم بهذا الصنم وآمنتم بالله وحده لا شريك له.

فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج ـ كما وضح ذلك من كلام المفسرين ـ وأصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله عز وجل، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل حتى كشف الله كربتها وآنس غربتها وفرج شدتها وأنبع لها زمزم التي ماؤها " طعام طعم وشفاء سقم "، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر عليها السلام .

نشرت يوم السبت 22 رمضان 1430 هـ / 12-9-2009

مكة



أماكن فى القرآن


مكـة
على جاد

مكان حرم الله فيه أعمالا كثيرة، وجعل له وضعا خاصا دون سائر البلاد، فحرم فيه القتل والصيد وكل أنواع الجرائم التى يرتكبها الإنسان فى غيره، مكة المكرمة وتقع على سفوح جبال"السروات"، وتمثل نقطة التقاء تهامة بالجبال التي تحيط بمكة من جميع الجهات، فمكة المكرمة مجموعة من الأودية المتخللة هذه الجبال وهي أيضا منافذها، خاصة كلما اتجهنا إلى الساحل من الناحية الغربية، وترتفع عن سطح البحر بـ279مترا تقريبا، وجوها حار جاف صيفا بارد ممطر شتاء، وبيوتها كائنة على امتداد الوادي، ويسميه المكيون وادي "إلراهيم"، ولموقع مكة المكرمة أهمية كبرى إذ تمثل منتصف خط القوافل التجارية القديمة التي كانت تزاول نشاطها بين اليمن وبلاد الشام جنوبا وشمالا.

"وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم .." سورة الفتح آية (24)

ذكرت لمكة أسماء كثيرة منها : مكة وبكة والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين والمأمون وأم رحم وأم القرى والعرش، وسميت بكة لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل : لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون، هذا ملخص ما جاء فى كتاب "السيرة النبوية" لابن هشام.

 ومكة المكرمة  هى بلدة قديمة العهد عرفت قبل مجىء إبراهيم عليه السلام إليها ليرفع قواعد البيت العتيق ـ كما ذكر ابن هشام ـ وعندما وصلها كانت قرية صغيرة تقع في واد غير ذي زرع تحيط بها الجبال من كل جانب، وتتفق جميع الروايات على أن جرهم كانت بمكة في عهد إسماعيل عليه السلام وأنه تزوج من بنات هذه القبيلة، وفي أواخر القرن الثالث الميلادي استولى على مكة جماعة من سكان جنوب الجزيرة العربية وطردوا جرهم منها، لكن جو مكة لم يلائم هؤلاء فغادرت غالبيتهم مكة وبقى فيها قسم منهم، وهم الذين باسم خزاعة، وفي منتصف القرن الخامس الميلادي انتقلت الزعامة لقصي بن كلاب أحد أحفاد إسماعيل بن عدنان وقصي هو الجد الرابع للنبي محمد ـ عليه الصلاة والسلام.

وتعد مكة بأكملها وقفا لا يجوز بيع أرضها أو بيوتها، يقول ابن هشام فى كتابه" زاد المعاد " الجزء الثالث، إن مكة ليست كسائر البلاد، فإن فيها شيئا آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهي أنها لا تملك فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين وهم فيها سواء، ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها، هذا مذهب مجاهد وعطاء، ومالك، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل.

وروى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن علقمة بن نضلة قال:" كانت رباع مكة تدعى السوائب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن"، وروي أيضا عن عبد الله بن عمر : " من أكل أجور بيوت مكة، فإنما يأكل في بطنه نار جهنم "، كما يحرم سفك الدم بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرما، كما أن تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد ونظام واحد وإلا بطلت فائدة التخصيص.
وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: " لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته "، وعن ابن عباس، أنه قال: " لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه "، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، ولم يذكر أن اختلف صحابي أو تابعي على ذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه، والإمام أحمد.

وفى حماية الله عز وجل لمكة وبيتها ذكر ابن هشام فى الجزء الأول من كتابه " السيرة النبوية " أن أبرهة لما
تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وجهز جيشه لهدم البيت، لم يحدث ما أراد، فلما وجهوا الفيل إلى مكة برك، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام فهرول، ووجهوه إلى المشرق فهرول، ووجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك.

أما سبب نزول هذه الآية فكان لموقف حدث بين المسلمين وقريش، ذكره ابن كثير والطبرى فى تفسيريهما لهذه الآية، فرويا عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنه أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم ـ وقيل خمسين ـ وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم ـ ليصيبوا من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا، فأتي بهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا المسلمين بالحجارة والنبل.

قال ابن إسحاق وفي ذلك أنزل الله تعالى هذه الآية، وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ خيلا فأتوه باثني عشر من الكفار فقال لهم: " هل لكم علي عهد ؟ هل لكم علي ذمة ؟ "، قالوا : لا، فأرسلهم وأنزل الله تعالى في ذلك :" وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ".

نشرت يوم الجمعة 21 رمضان 1430 هـ /11 -9-2009

الأحد، 13 سبتمبر 2009

المشعر الحرام


أماكـن في القرآن


المشعـر الحـرام


علي جاد

من الأماكن المقدسة التى يذهب إليها الحجاج ضمن مناسك الحج، وهو منطقة تقع بالقرب من مكة جنوب شرق "منى"، وبين "منى" وجبل عرفة وهو جبل فى آخر المزدلفة، ويعد المشعر الحرام، كما سماه الله عز وجل فى القرآن من الأماكن المقدسة التى ذكرها القرآن، بل جعله سبحانه وتعالى من مناسك فريضة الحج.

قيل هو جبل فى آخر المزدلفة يقال له "قزح" يذكر الحجاج ربهم عنده بعد المبيت بمزدلفة، والمزدلفة عبارة عن واد يمتد من "محسر" غربا إلى "المأزمين" شرقا، طوله نحو أربعة آلاف متر، وسمي بذلك لأن الناس يأتون إليه في زلف، ويقوم الحجاج بجمع الحصيات لرمى الجمار بـ"منى" خلال الأيام التالية، ويمكث بها الحجاج حتى صباح اليوم التالى يوم عيد الأضحى، وتعد المنطقة بأكملها موقفا عدا وادى محسر.

".. فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين .." سورة البقرة آية (198)

معنى المشاعر أى المعالم، من قول القائل : "شعرت بهذا الأمر" أي علمت، فـ "المشعر" هو المعلم وسمي بذلك؛ لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده، ورد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه صلى الفجر بالمزدلفة وركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر، قال القرطبى وابن كثير فى تفسيريهما لهذه الآية إن المشعر هو مزدلفة كلها الجبل وما حوله، وقد أمر الله تعالى المسلمين إذا أفاضوا من عرفة أن يذكروه سبحانه وتعالى فيها بصلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير، وقوله عند المشعر الحرام معناه: مما يلي المشعر الحرام قريبا به، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر، وسميت المزدلفة وجمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف منها، أي دنا منها، وقال قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، ويجوز أن يكون وصفت بفعل أهلها لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون بالوقوف فيها.

والوقوف بمزدلفة يستحب فيه الإكثار من الدعاء والتلبية وذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر ابن كثير فى تفسيره للآية الكريمة أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظل واقفا بعرفة حتى غربت الشمس وبدت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شد زمام القصواء حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى " أيها الناس : السكينة السكينة " وكلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبر وهلل ووحد، فلم يزل واقفا حتى أسفر ـ في صحيح مسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم في المناسك والأعياد يذهب من طريق ويرجع من أخرى فدخل من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، ودخل المسجد من باب بني شيبة وخرج بعد الوداع من باب حزورة اليوم، ودخل إلى عرفات من طريق ضب وخرج من طريق "المأزمين"، وأتى إلى جمرة العقبة - يوم العيد - من الطريق الوسطى التي يخرج منها إلى خارج منى ثم يعطف على يساره إلى الجمرة ثم لما رجع إلى موضعه بمنى الذي نحر فيه هديه وحلق رأسه رجع من الطريق المتقدمة التي يسير منها الناس اليوم، فيؤخر المغرب إلى أن يصليها مع العشاء بمزدلفة ولا يزاحم الناس، بل إن وجد خلوة أسرع فإذا وصل إلى المزدلفة صلى المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن ثم إذا بركوها صلوا العشاء، وإن أخر العشاء لم يضر ذلك ويبيت بمزدلفة، ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن محسر، كما أوضح ابن تيمية فى كتابه " فتاوى ابن تيمية"، وقال من السنة المبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلى بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر قبل طلوع الشمس، فإن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، وينبغي لأهل القوة ألا يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلوا بها الفجر ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف لكن الوقوف عند قزح أفضل وهو جبل" الميقدة"، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام.

عن عائشةـ رضى الله ـ عنها قالت : " كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأتى عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض، فذلك قوله من حيث أفاض الناس" فى البخارى وشرح النووى، قال القرطبى :‏ ‏أي اذكروه بالدعاء والتلبية، ويسمى "جمعا" لأنه يجمع فيه المغرب والعشاء، وسمي مشعرا من الشعار وهو العلامة، لأنه معلم للحج والصلاة والمبيت به، والدعاء عنده من شعائر الحج، ووصف بالحرام لحرمته.

نشرت يوم الخميس 20 رمضان 1430 هـ / 10 - 9 - 2009

عيون موسى






أماكن فى القرآن

عيون موسى

علي جاد

مكان حدثت به الكثير من معجزات نبى الله موسى ـ عليه السلام ـ منها عيون الماء التى تفجرت من الصخور بضربة من عصاه، حيث أوحى الله له أن يضرب بعصاه الحجر بعد أن طلب منه قومه الماء، فانفجرت اثنتا عشرة عينا، وذهبت أراء كثيرة فى ماهية هذه العيون وأين كان مكانها وقت تفجرها ؟ وأين هى الآن ؟! وهل مازال الماء يتفجر منها أم جفت ؟ وهل كانت معجزة فى وقتها وانتهت بانتهاء سببها ؟ أسئلة كثيرة اجتهد العلماء والمفسرون فى الإجابة عنها، كان أقربها أن هذه العيون تقع فى سيناء على بعد 15 كيلو مترا شرق السويس، وتحديدا على الضفة الشرقية من خليج السويس، فى منطقة تعرف اليوم باسم "عيون موسى" وتبعد ٦٠ كيلو مترا عن نفق الشهيد أحمد حمدي، وقد أهملت هذه المنطقة وتعرضت آبار "عيون موسي" الأثرية إلي جفاف ٥ منها، فيما سكنت الطحالب وأشجار البوص بقية الآبار الـ٧ إلى أن انتبهت لها وزارة الثقافة المصرية فقررت البدء في إحيائها، وتحويلها إلى مزار سياحي، نظرا لأهميتها التاريخية والدينية، بعد أن تعرضت للتدمير على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بعد عام 1967.

"وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.." سورة البقرة آية (60)

قوم موسى هم بنو إسرائيل الذين قضى الله عليهم التيه وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وأنعم عليهم من فضله وكرمه وأعطاهم ما لم يعط أحدا، وبرغم ذلك عصوا وفسقوا وسعوا فى الأرض فسادا، وكانت فيهم هذه المعجزة وهى تفجر الصخور بالماء ليشربوا بعد عطش كاد يهلكهم، يذكر الطبرى فى تفسيره لهذه الآية عن ابن عباس، قال :" جعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين، لا يرتحلون خطوة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول" ـ وفى هذا الكلام خلاف سنذكره ـ فقيل لهم :" كلوا واشربوا من رزق الله"، أمر من الله جل ثناؤه بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم من الماء من الحجر الذي لا قرار له في الأرض، ولا سبيل إليه إلا لمالكيه، يتدفق بعيون الماء ويزخر بينابيع المياه العذبة بقدرة ذي الجلال والإكرام، ثم تقدم جل ذكره إليهم مع إباحتهم ما أباح، وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الآمن، ونهاهم عن السعي في الأرض فسادا واستكبارا".

وفى تفسير هذه الآية آراء كثيرة، فقيل إنه حجر فى جبل الطور بسيناء مصر، وآخر لم يحدد للحجر مكانا بعينه وأنه كان يجف بعد أن يتركونه، وفى تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبى قال إن العين‏: هى‏ الثقب في المزادة، والعَين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان‏،‏ وقيل‏:‏ لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض‏، لما استسقى موسى ـ عليه السلام ـ لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قيل مربعا طوريا من الطور على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحله في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية والإعجاز‏،.

وقيل‏:‏ إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء وهذا أبلغ في الإعجاز‏،‏ وقيل‏:‏ إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى ـ عليه السلام ـ ولذلك ذكر بلفظ التعريف‏،‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه‏،‏ وقال ابن عطية‏:‏ ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون.

وقد ذاعت شهرة عيون موسى التاريخية منذ العصور القديمة، إذ كانت في العصور الوسطى منطقة للحجر الصحي للحجاج القادمين من الأراضي الحجازية قبل الدخول إلى السويس والقاهرة، وتضم المنطقة آثارا نادرة ترجع إلى عصور مختلفة، والحفريات التي جرت بها أخيرا كشفت عن 6 آبار أثرية ترجع للعصر الروماني، إضافة إلى قنوات للري تم تشييدها من الأواني الفخارية، وأفران مشيدة بالطوب الأحمر تعود لنفس العصر، وعيون موسى تتميز مياهها العذبة بتوافر بعض الأملاح المعدنية التي لها صفات علاجية خاصة، كأملاح الصوديوم والماغنسيوم التي تلعب دورا كبيرا في علاج أمراض الكلى والجهاز البولي.

وذكر ابن خلدون فى كتابه" العبر وديوان المبتدأ والخبر" إن موسى كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر منه عيون، فتهامسوا بينهم قائلين إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى الله إليه بأن يكلم الحجارة فتعطيه، فقالوا : كيف بنا إذا رحلنا إلى أرض ليس فيها حجارة ؟ فأمر الله موسى أن يحمل معه حجرا فحيثما نزل ألقاه ! إلخ .. وهذا من الخرافات، ليس لها أصل عند اليهود ولا عند المسلمين واستدل بذلك على أن بنى إسرائيل كانوا ألوفا فكيف يشرب مئات الألوف أو الملايين من حجر صغير يحمل؟! والله أعلم.

نشرت يوم الأربعاء 19 رمضان 1430هـ / 9 - 9 - 2009اضغط هناhttp://www.al-seyassah.com/PDF/09/SEPT/09/35.pdf

تحت الشجرة



أماكـن في القـرآن


تحت الشجرة


على جاد

مكان وقعت عنده أحداث قصة معاهدة للصلح بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكفار قريش .. تحت الشجرة كان الصلح والاتفاق على شروط يلتزم بها الطرفان، أطلق عليها شجرة البيعة وهى بموضع يقال له الحديبية، يبعد عن الحرم المكى قرابة 25 كيلو مترا، وهى المنطقة التى تعرف الآن بالشميس، وهى البوابة التى يحجز عندها غير المسلمين، وقد ظلت شجرة البيعة المذكورة فى الآية قائمة حتى خلافة عمر ـ رضى الله عنه ـ وذات يوم بلغه أن الناس يشدون الرحال إليها قاصدين الصلاة عندها تبركا وتعظيما، فأمر بقطعها لئلا يخرج الناس ببدعتهم هذه عن صحيح الدين، واشتهر موقع الحديبية فى التاريخ الإسلامى بحادث الهدنة الذى عقد بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين مشركى مكة، وذلك فيما عرف بصلح الحديبية، وكان لهذا الصلح ثماره العظيمة التى جعلته من أعظم فتوحات الإسلام.

"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة .." سورة الفتح آية (18)

في العام السادس من الهجرة، وتحديدا في شهر ذي الحجة خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة متوجها إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، كما ذكر ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية، وخرج معه المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وليس معهم من السلاح إلا السيوف، وقد ساقوا معهم الذبائح؛ ليظهروا حسن نيتهم ويعلموا أهل مكة أنهم جاءوا حاجين إلى البيت وزائرين له، ولم يأتوا لحرب أو قتال، فوصل خبر مسير الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مكة، فإذا بقريش تفور من الغضب والغيظ، فكيف يتجرأ المسلمون على المجيء إليهم، ودخول مكة بهذه السهولة؟! فلا بد من صدهم ومنعهم من دخولها، وتعاهدوا على ألا يدخلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذين معه، وخرجت خيلهم يقودها خالد بن الوليد؛ لمنع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه من دخول مكة.

تحت الشجرة.. مكان أصبح مجلس حكم ومشاورة ومبايعة وتأييدا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، يقول الطبرى فى تفسيره لقوله تعالى: " إذ يبايعونك تحت الشجرة " يعني بيعة أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول الله بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى ألا يفروا ولا يولوهم الدبر، تحت الشجرة كانت بيعتهم فيما ذكر، وكان سبب هذه البيعة ما قيل : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان قد أرسل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ برسالته إلى قريش، فأبطأ عثمان عليه، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وبينما ركب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه يسير بأمر الله تعالى بركت الناقة التي يركبها الرسول في مكان قريب من مكة يسمى الحديبية، فقال الصحابة: خلأت القصواء ـ اسم ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ خلأت القصواء .. فقال صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل " في البخاري، فعلم صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لا يريد له دخول مكة، ولا الصدام مع قريش في ذلك الوقت، فقرر التفاوض مع قريش في شأن دخول المسلمين مكة لزيارة البيت الحرام.

أحداث الصلح وما دار بين الطرفين ذكرها المفسرون بالتفصيل، وجميعهم لم يخرج عن الآخر إلا ببعض الشرح أو التعليق، يقول ابن كثير فى تفسيره للآية الكريمة: فبعد طول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسهيل بن عمرو، حضرت الدواة والصحيفة ودعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلا يكتب الكتاب بينهم ودعا أوس بن خولي يكتب، فاعترض سهيل ألا يكتب إلا أحد الرجلين ابن عمك علي أو عثمان بن عفان، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليا أن يكتب، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : لا أعرف الرحمن، اكتب كما نكتب باسمك اللهم، فضاق المسلمون من ذلك وقالوا : هو الرحمن، وقالوا : لا تكتب إلا الرحمن، قال سهيل : إذن لا أقاضيه على شيء، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اكتب باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه رسول الله، فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله ؟ فضج المسلمون منها ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون لا نكتب إلا محمد رسول الله.

كان هذا الجدل سببا فى نزول قرآن في سهيل حين رفض أن تبدأ الكتابة باسم الرحمن، قال تعالى : "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى .. " سورة الإسراء آية (110)، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنا محمد بن عبد الله فاكتب، فكتب " باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض .." إلى آخر شروط الصلح.


نشرت يوم الثلاثاء 18 رمضان 1430 هـ / 8- 9- 2009

طور سيناء





أماكن فى القرآن

طور سيناء


علي جاد

جبل مبارك اختلف العلماء والمفسرون فى مكان وجوده الآن .. جرت عليه أحداث كثيرة كان أهمها تجلى الله سبحانه وتعالى لموسى وتكليمه، ذكر فى القرآن الكريم مرة مقترنا بكلمة سيناء ومرة بكلمة سنين، ومرة منفردا فى صيغة قسم فى صورة الطور، طور سيناء هو جبل من الجبال المباركة موجود بسيناء مصر ـ حسب الرأى الراجح ـ نشأت باسمه مدينة الطور وقد اتفقت أغلب الآراء عليه.

وتبعد مدينة الطور عن نفق الشهيد أحمد حمدى على خليج السويس بنحو 265 كيلو مترا وهى عاصمة جنوب سيناء، وتعد منطقة تاريخية أثرية، فيوجد به دير تم بناؤه فى القرن الرابع الميلادى وحمام موسى عند سفح الجبل، وقد وجد الباحثون فى جولات بحثهم فى مدينة الطور العديد من النقود الفضية والنحاسية التى ترجع لعهد الرومان والبيزنطيين، ومدينة الطور تقع على هضبة مرتفعة عن سطح البحر، فدرجة الحرارة فيها أقل منها فى باقى مدن جنوب سيناء، وذلك عدا سانت كاترين التى تقع على قمة الجبل فإنها الأكثر برودة، وتقع قبل مدينة شرم الشيخ بـ100 كيلو متر.

"وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" سورة المؤمنون آية (20)

والطور فى اللغة عند العرب هو الجبل الذى تكون فيه أشجار مثل الذى كلم الله عز وجل موسى عليه، أما الذى ليس فيه شجر فلا يسمى طورا وإنما يقال له جبل، وقد أنبت الله شجرة الزيتونة في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه، ذكر القرطبى فى تفسيره لهذه الآية أن طور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وقيل هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة، واختلف المفسرون والعلماء في وجوده فى سيناء، فقيل أن كلمة سيناء تعنى حجرا بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده، وقيل : كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء أي حسن.

وروى فى الأثر أن أربعة جبال من جبال الجنة هى: أحد والطور ولبنان والجودى، وأربعة أنهار من أنهار الجنة منها النيل والفرات، والطور على الأرجح مقصود به طور سيناء بأرض مصر ومنه نحتت ألواح موسى عليه السلام ويقصده السياح من جميع أنحاء العالم، وقيل إنه ببلاد الشام، و" الأرض المباركة "أى طور بيت المقدس، لكن القول الراجح هو الأول أنه بمصر وموجود بمدينة طور سيناء حاليا.

كما ذكر الطور فى القرآن الكريم لفظا منفردا دون إضافته لكلمة أخرى فى صيغة قسم، وسميت السورة باسمه، ففى تسمية سورة الطور بهذا الاسم وهل لها علاقة بطور سيناء المذكور فى الآية ذكر ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية أن الطور المقصود هنا هو الجبل الذى يكون فيه أشجار مثل الذى كلم الله عليه موسى وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا إنما يقال له جبل، إذن كلمة الطور تقال للجبل الذى به زرع، وهو هنا يعنى أى جبل مثمر وليس طور سيناء، ولو عقدنا مقارنة بين "طور سيناء" و"الطور" لوجدنا أن إضافة سيناء للطور حدد مكانا بعينه وهو جبل الطور الموجود بسيناء مصر، أو الموجود بالقدس، أما ذكره منفردا فيعنى الجبل الذى به زرع، وأكثر العلماء والمفسرين قالوا بهذا.

وذكر الرازي في تفسيره أن المراد بطور سينين وطور سيناء إنما هو طور بيت المقدس، ومنها ما ذكر عن المفسرين من أن طور سيناء تعني الجبل المشجر المثمر، ثم إن سورة التين نفسها تشير إلى هذا، فالآية تذكر بقعتين يقسم الله بهما: الطور والبلد الأمين، فأما البلد الأمين فهو (مكة) وأما الطور فهو الذي ببيت المقدس بالأرض المباركة، ولو سلمنا بهذا ففى معنى أن الطور هو أى جبل مثمر، يكون الأولى هنا أن يكون القسم بجبل الزيتون المثمر وهو الذى بالقدس، إذن طور سيناء غير طور القدس، وهنا يصبح طور سيناء هو جبل بمصر، وطور سنين جبل بالقدس، والطور المقسوم به فى سورة الطور أى جبل مثمر، والأمر هنا يرتبط بأماكن مقدسة ومقدسات يقسم بها الله سبحانه على الأمر العظيم ليس أكثر، وقيل أيضا إن الشجرة تخرج من طور سيناء وهو جبل بفلسطين،أو بين مصر وأيلة وهو مكان معروف يسمى اليوم العقبة ويقع على مراحل من مصر، وشجرة الزيتون نسبت إلى جبل الطور لأنه كان الأرض التى احتوتها أو لكثرتها فيه.

وذهب من قال إن جبل الطور موجود بالقدس وليس فى سيناء مصر إلى أن جبال طور سيناء ليس بها شجر زيتون مثمر، وهذا ـ حسب قولهم ـ يخالف معنى الآية التى دلت صيغ المضارع فيها على أنها مستمرة حاضرة مثمرة حتى الآن، حيث إنها كلها صفات للجود والعطاء الحاضر المستمر، وهذا ليس متوافرا فى طور سيناء، أما طور الأرض المباركة فشجر الزيتون المثمر موجود عليه على مدار السنين، حتى إن أهل بيت المقدس يسمونه "جبل الزيتون" وهو أعلى جبل في بيت المقدس، حيث يشرف على بيت المقدس من الناحية الشرقية ويعتبر أكبر وأعلى من كل الجبال الأخرى القائمة هناك، ويبلغ ارتفاعه 846 مترا عن سطح البحر وعندما قرأت فى كتاب "وصف الأرض المقدسة" وجدت وصفا كاملا لجبل الزيتون ولم يذكر فى الوصف تاريخ الجبل من الناحية الدينية أى شيء يدل على أنه جبل طور سيناء.

نشرت يوم الإثنين 17 رمضان 1430 هـ / 7- 9 - 2009

قائمة المدونات الإلكترونية