الاثنين، 7 سبتمبر 2009

الجودى





أماكـن في القـرآن

الجُوديّ

على جاد

لم يذكر القرآن الكريم مكان الجودي، لأن العبرة ليست في المكان وإنما فيما آلت إليه قصة الطوفان وأسبابه، فبعد انتهاء الطوفان رست السفينة على الجودى، وهو اسم لمكان بعينه استوت عليه السفينة، والطوفان كان خاصا بقوم نوح، لأن النوع البشرى لم يكن قد انتشر في الكرة الأرضية، وحديثا ذكرت وكالات الأنباء العالمية أن إحدى طائرات التجسس الأميركية اكتشفت بقايا سفينة قديمة فوق جبل أرارات قيل إنها سفينة نوح، ولا تزال هذه البقايا موجودة عليه ومتحجرة.‏

" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضي الأمرُ واستَوتْ على الجُودِيّ، وقيلَ بُعدًا للقوم الظالمين "
هود 44 ᅜ

كان قوم نوح أظلم وأطغى ما يكون احترفوا الكفر وعبادة الأصنام وبعد أن نفدت كل وسائل نوح في دعوتهم لله الواحد القهار دعا ربه بأن يهلك الكافرين من أهلها، وألا يبقى على الأرض من الكافرين ديارا .. قضى الأمر، وأصدر الله عز وجل حكمه على الكافرين بالغرق، فأمر نوحا بأن يصنع الفلك بعناية الله ووحيه حتى تكون أداة لنجاته هو والمؤمنين معه من الغرق، وأخبره سبحانه وتعالى بأن الكافرين سيغرقون مهما تكن أهميتهم أو درجة قرابتهم له، فلما أتم صنع السفينة وجاء الموعد المحتوم أمر الله تعالى نوحا أن يحمل في السفينة أهله ومن آمن معه من قومه، وحملت المياه السفينة ومن فيها ومكثت ما شاء الله أن تمكث، إلى أن غرق كل ما على الأرض من إنسان وحيوان ونبات فلم يبق منهم أحد، ثم أمر الله سبحانه وتعالى أن تبلع الأرض ماءها وأمر السماء أن تقلع عن الماء، فبدأ الماء يهدأ ويتناقص حتى استقرت السفينة على جبل الجودى.


أخبرنا القرآن الكريم أن السفينة استقرّت على الجودي، هكذا أطلق «الجودي» على هذا الجبل التي استوت عليه سفينة نوح، وفي اسم هذا الجبل أقوال تختلف لفظا باختلاف الأمم التي تعاقبت عليه، فأطلقت كل أمة عليه اسما وفق لغتها، لكن جميع هذه الأسماء حدّدت له مكانا مخصوصا معلوما نذكر منها ما جاء في تفسير ابن كثير، "واستوت " السفينة بمن فيها "على الجودي" قال مجاهد: هو جبل بالجزيرة تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله عز وجل فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام، وقال قتادة استوت عليه شهرا حتى نزلوا منها، وقد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة.


وقيل:الجودي جبل بالموصل وقال بعض المفسرين هو الطور، عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وأنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما، وأن الله وجه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين، فعرف نوح عليه السلام أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.

وذكر الطبرى في تفسيره أن استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة كان في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر رُئي رءوس الجبال، فلمّا مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء، فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضعا فبسط يده للحمامة وأخذها ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست وفي فمها ورق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قلَّ عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين برز وجه الأرض، فظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح : « اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ».

وقال القرطبي: الجودي: اسم لكل جبل، ويقال إن الجودي من جبال الجنة، فلهذا استوت عليه السفينة، ويقال:" أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجوديّ بنوح، وطُور سِيناء بموسى، وحراء بمحمدٍ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين".‏


نوح عليه السلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وأهلك الله أهل الأرض كلهم بدعائه، وصفه الله في القرآن بالعبد الشكور لأنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، عن أبى هريرة رضى الله عنه في حديث الشفاعة قال :" فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك " في البخارى، وهو أطول الأنبياء عمرا فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.

نشرت بجريدة "السياسة" الكويتية فى 2 رمضان 1430 - 23 / 8 / 2009 .........



سبأ








أماكـن في القـرآن

ســَـــــبَأ




على جاد





ذكرت سبأ فى القرآن الكريم ولها سورة باسمها، وذلك لكثرة القصص عنها، كانت أشهرها قصة بلقيس مع سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ وقصة السد العظيم وسيل العرم، وهى مملكة قديمة قامت فى الألفية الثانية قبل الميلاد فيما يعرف الآن بالحبشة وإريتريا واليمن، امتدت من شواطئ البحر الأحمر والحبشة ، وضمت جنوب جزيرة العرب وكانت عاصمتها مدينة مأرب، وهى اليمن فى أيامنا هذه، واستمرت حتى استيلاء الدولة الحميرية عليها فى أواخر القرن الثالث بعد الميلاد، بدأت المملكة بالازدهار فى القرن الثامن ق.م، واشتهرت بغناها وقد تاجر أهلها بالعطور والدرر والبخور، وذكر انتاجها للعطور فى عدة مصادر مثل العهد القديم والإلياذة.

"لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ" سبأ 15

تحدث ابن كثير فى تفسيره عن سبأ ذاكرا فضل الله على أهل هذه المملكة، فيقول كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان عليه ـ الصلاة والسلام ـ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، بعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد.
ابن عباس يقول إن رجلا سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبأ ما هو .. أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة وبالشام أربعة، فأما اليمانيون فهم: مذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية فهم: لخم وجذام وعاملة وغسان"، قدِم رجل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام .. أفأقاتلهم ؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم : "ما أمرت فيهم بشيء بعد" فأنزلت هذه الآية " لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ... ".

جاء فى تفسير القرطبى أن عبد الرحمن بن زيد قال : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب ونظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب، وقيل : إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها، وروي أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما : "نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين"، وعلى الآخر مكتوب : "نحن بنينا صرواح، مقيل ومراح"، فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله، وقيل إنه لم يرد جنتين اثنين، بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة، أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار، تستتر الناس بظلالها . " كلوا من رزق ربكم " أي قيل لهم كلوا، أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لكم ذلك، أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة.
وفسر القرطبى معنى كلمة "آية" أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر .

ويؤكد الباحثون أن دولة سبأ عرفت مبدأ الشورى والتشاور منذ تأسيسها بزعامة سبأ الأكبر بن يشجب، وذلك ما أكده القرآن الكريم في قصة الملكة بلقيس " قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون" إلى آخر ما جاء في الآية التي تحكي القصة، حينما أرسل الملك سليمان إلى بلقيس يدعوها وقومها إلى الإسلام، ولكن النظام الديمقراطي الذي كان مجلس "الاقيال الثمانين" أهم مؤسساته لم يبدأ إلا في عهد الرايش الثاني وهو "باران ذو رياش بن سدد بن قيس بن حيقي بن حمير بن سبأ الأصغر" وقد تولى عرش سبأ عام 0321 ق.م، وباسمه سمي معبد باران في مأرب، والى عهده يعود في الغالب تشييد البنيان السبئي المشهور بمحرم بلقيس، والذي يضم مبنى وقاعة مجلس "الاقيال الثمانين".

أما التاريخ عندما تحدث عن سبأ فذكر ما كانت تتمتع به من قوة وريادة فى ذلك الوقت، فكان الجيش السبئى من أقوى جيوش ذلك الزمان، وقد ضمن لحكامه امتدادا توسعيا جيدا، فقد اجتاحت سبأ منطقة القتبيين، وتمكنت من السيطرة على عدة مناطق فى القارة الإفريقية، وفى عام 24 قبل الميلاد وفى أثناء إحدى الحملات على المغرب هزم الجيش السبئى جيش ماركوس إيليوس الرومانى الذى كان يحكم مصر كجزء من الإمبراطورية الرومانية وكانت أعظم قوة فى ذلك الزمن، وكانت سبأ بلادا معتدلة سياسيا، إلا أنها ما كانت لتتأخر فى استخدام القوة عند الضرورة، لقد كانت سبأ بجيشها وحضارتها المتقدمة من القوى العظمى، كما ذكر القرآن الكريم جيش سبأ القوى، من خلال كلام قواد الجيش السبئى مع ملكتهم كما ورد فى سورة النمل " قالوا نحن أولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين " آية 33.

نشرت بجريدة " السياسة " الكويتية 1 رمضان 1430 هـ -2009 /22 / 8 .......

الأحد، 6 سبتمبر 2009

الجب




أماكـن في القـرآن

الجُــــبّ

علي جاد

نحن أمام مكان شهد خيانة أخوة يوسف ـ عليه السلام ـ للعهد الذى أخذوه على أنفسهم بأن يحموا أخيهم الأصغر من أى خطر ويردونه سالما لأبيه، لكن النفس البشرية أمارة بالسوء فاتفقوا على إلقائه فى الجب، وهو البئر الذي ألقي فيه يوسف ـ عليه السلام ـ وقد قيل إنه في مدينة نابلس، وتتبدى لنا في مخاوف سيدنا يعقوب عليه السلام صورة لواقع بشري كثير التكرار، صورة العلاقة بين الأخوة وعداء الشيطان للإنسان، كما جاء في سورة يوسف :" قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ."

" فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "
يوسف 15

كانت أولى خطوات الخداع للأب الكهل عندما طلبوا منه أن يرسل معهم يوسف يرتع ويلعب، وأقسموا أنهم له لناصحين، يقول ابن كثير: هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه وهم يظهرون له إكرامهم وحبهم لأخيهم ما بسط وشرح صدره وأدخل السرور عليه، فيقال إن يعقوب ـ عليه السلام ـ لما بعثه معهم ضمه إليه وقبَّله ودعا له، ولمّا غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة في وسطه يقال لها "الراغوفة".

لم يكن الجب حاضرا فى ذهن من اقترح ذلك إلا عندما رآه فيما هم يفكرون فى طريقة للخلاص من أخيهم، هذا ما أوضحه القرطبى فى كلامه عن "الجب" فقال: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه، وسلمه إلى روبيل وقال : "يا روبيل إنه صغير، وتعلم يا بني شفقتي عليه، فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أعيا فاحمله ثم عَجِّلْ برده إلي"، قال : فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يشيعهم ثم رجع، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف، فاستغاث بروبيل وقال : "أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي عليَّ، وأقرب الإخوة إليَّ، فارحمني وارحم ضعفي"، فلطمه لطمة شديدة، فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال : "يا أخي ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب"، فرَّق قلب يهوذا فقال : والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا، ثم قال : يا إخوتاه إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبي إلى أبيه، ونعاهده ألا يحدث والده بشيء مما جرى أبدا، فقال له إخوته : والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه، قال : فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجب الموحش القفر الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه فيه، فإن أصيب بشيء فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد، فأجمع رأيهم على ذلك، فهو قول الله تعالى : " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ".

ومما ذكر من قصته ـ إذ ألقي في الجب ـ ما ذكره القرطبى عن السدي وغيره أن إخوته لمّا جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال : "يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به في هذا الجب، فإن مت كان كفني، وإن عشت أواري به عورتي"، فلما ذكروه برؤياه قال : "إني لم أر شيئا"، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت، وقيل : إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، فقام على الصخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

ولمّا تيقن يوسف أنهم لن ينقذوه قال : "يا إخوتاه إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا : وما هي ؟ قال : "إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي"، فقال له جبريل : "يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان"، ثم علمه فقال : "قل اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، ويا ملجأ كل خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حي يا قيوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، إنك على كل شيء قدير".

حلقات تنشر يوميا فى جريدة " السياسة " الكويتية طول شهر رمضان الكريم ..

وهذه الحلقة نشرت يوم 4 رمضان 1430 - 25/ 9 / 2009

http://www.al-seyassah.com/PDF/09/AUGST/25/35.pdf


الأحد، 26 أبريل 2009

لا نستحق هذا الوطن


لا نستحق هذا الوطن

عذرا أستاذى الفاضل المحترم الشاعر الأديب المهذب الجميل الذى جمع من الصفات ما جذب القلوب لحبه .. فاروق جويدة .. سأستعير عنوان مقالك الذى نعيت فيه للأمة موت الذوق العام وانتحار الأسلوب المهذب ..
نحن فعلا لا نستحق هذا الوطن .. وكان من شديد الأسف أن يكون رموز الوطن هم من أهدروا كرامته وأباحوا حرمته وجعلوا من ثقافته وتاريخه مهازل يندى لها الجبين ..

فلا عجب أن يلقى رئيس الوزراء الأسبق دكتور القانون على لطفى قصيدة شعر فى حفل تكريم للأستاذ الدكتور فتحى سرور يحضره ممثلون عن الدول وسفراء ووزراء، يصفه فيها بـ"الديك"، والشعب المصرى بـ"الفرخة" ولنا أن نتخيل العلاقة بينهما، ولا عجب أن يصف كلامه بـ"المزيكا" وأنه مخترع قوانين "الفبريكا" وأنه حتى "بتاع بوليتيكا" مادامت العملية أصبحت "بوليكا".

نعم سيدى لقد أصبحنا فى عصر البهلونات و" الحبشتكنات" و "الشيكابيكا" و " الشىء لزوم الشىء " وأصبح المجتمع المصرى بهذه المصطلحات يعيش حالة من "الهرتلة" والفراغ الثقافى تنخر فى عقول أبنائه كسوس النخل ـ سوس النخل هذا يقوم بتدمير النخلة من الداخل برغم أنها تظل قائمة وتثمر لكن فجأة تهوى ساقطة بعد أن يصل هذا السوس إلى جذورها ـ لقد أصبحنا نحرص على رغيف الخبز أكثر من الكتاب، نحرص على الجنيه لنشترى به طعاما أو دواء لتبقى أجسادنا قائمة قادرة على العيش .. لا يهمنا ولا يهم من أرادوا لنا ذلك أن يكون العقل خاويا من الفكر والثقافة والإبداع والابتكار بقدر ما يهمنا أو يهمهم أن تكو ن البطون مليئة بما لذا وطاب والبنوك بما نهب من حلال أو حرام .. لا فرق ..

أصبحنا نحرص على الحياة مهما كانت تفاهتها ..
لا يهمنا أن نؤذى الآخر ما دُمنا فى سلام .. لا يهمنا أن نظلم ما دمنا فى أمان ونأخذ حقنا نهبا أو طواعية أو حتى تحت تهديد السلاح .. لا يهمنا أن يدنس النيل بأفعالنا وتصرفاتنا وهفواتنا وذنوبنا التى بلغت مداها ونحن نظن أننا رؤوس العالم وأصحاب الحضارة والحقيقة أننا أذناب الشعوب وأدناها ..

لا يهمنا أن ندوس بأقدامنا فوق جثث الناس لنصعد لمنصب أو وظيفة أو حفنة من المال أو حتى للحصول على رغيف خبز .. لا يهمنا أن يموت الناس جميعا إلا " أنا " .. " أنا " التى تحكمت فينا ونأت بنفسها عن كل القيم والمبادئ والأخلاق وأباحت كل ما هو حرام فى سبيل الـ " أنا "..!!

ماذا تنتظر يا سيدى من شعب دفن رأسه فى الرمال وقال " وأنا مالى .. ويا حيط دارينى .. وما دام بعيد عنى " وألفاظ كثيرة زرعت فينا الوهن والضعف والكسل وكل أنواع الهوان .. ماذا تنتظر من شعب ضاع الحق بينهم .. ماذا تنتظر من شعب آثر السلامة ومشى فى سكة الندامة ـ كما يقولون فى الأمثال .. ماذا تنتظر من شعب ظل يؤله الحكام حتى صاروا قابوسا يُجسم على صدورهم ويُكبلهم بتعاويز وطقوس جعلتهم عبيدا لهم ؟

ماذا تنتظر من شعب تفرقه عصا ويجمعه "ربع جنيه " .. ماذا تنتظر أن يكون حال الوطن وكل ما فيه أصبح غير صالح للاستخدام الآدمى حتى البشر .. ماذا تنتظر أن يكون حال الوطن وكل ما فيه أصبح فاسدا .. ماذا تنتظر من شعب تنازل عن كل حقوقه مقابل أن يعيش .. يعيش فقط ! وياليته عاش مثل باقى البشر ؟!

ماذا تنتظر من شعب ينام نصف يومه والنصف الباقى يقضيه أمام الدش والقنوات الإباحية .. ماذا تنتظر من شعب ضاع شبابه فى متاهات الفساد المنتشر فى كل شبر من أرض الوطن .. ماذا تنتظر من شعب أصبح أثرا بعد عين ؟!


ماذا تنتظر من شعب نسبة الانتحار فيه خلال أربع سنوات وصلت إلى 12 ألف مصرى أغلبهم شباب، وكانت البطالة والفقر والديون أسبابا رئيسية، لذلك حذر الخبراء من أن ثورة الجياع قادمة، وأن المصريين يتحملون الضغوط السياسية لكنهم يرفضون الجوع، وأنه يجب على الحكومة أن تعيد حساباتها وتشعر بمعاناة المواطنين وبرغم ذلك لا فائدة ..!

الشعب يا سيدى يعانى خللا وحالة من الاغتراب سادت المجتمع نتيجة الفوارق الاقتصادية والطبقية الموجودة .. فهناك طبقة تتسيد المجتمع وتنفق ببذخ شديد وسفه لا حدود له وتسيطر على مقدرات الحياة الاقتصادية فى مصر بشكل أو بآخر وباقى الشعب مغلوب على أمره.


أزمتنا يا سيدى .. أزمة أخلاق .. أزمة ضمير .. أزمة خوف من الآخر وتصويره على أنه بعبع .. أزمتنا أزمة تربية .. أزمة حب وانتماء للوطن لم تعد فينا ولا بيننا .. أزمتنا أزمة ذوق وأدب وحسن تعامل وتحمل مسئولية .. أزمتنا أزمة شباب فقد الأمل فى مستقبله وفضل الجلوس على المقاهى والوقوف على نواصى الشوارع لمعاكسة "خلق الله" .. أزمتنا أزمة احترام فلم يعد الصغير يحترم الكبير، ولا الكبير يرحم الصغير .. عدنا لغابر الأزمان كالقطيع المنقاد بالعصى ..!!!!

نحن يا سيدى بقايا مصريين .. بقايا بشر صنعوا أمجادا وحضارات .. لسنا مصر (طِيبة ) ولا (عين جالوت ) ولا (حطين) ولا (19) ولا (48) ولا (52) ولا (73) .. نحن بقايا وطن .. بقايا شعب .. بقايا بشر كانوا فى يوم من الأيام أسياد العالم.

الاثنين، 9 مارس 2009

امسك حرامية.. !!



زمان كنا بنقول " امسك حرامى" ومع التقدم ودخول عصر التكنولوجيا واختراع أساليب الضحك على خلق الله والنصب وسِعتْ العملية وبقى فيه حرامية، وأصبحت البلد فى ملطش والكل فيها بيلطش .. واللى يحزِن إن أولادها الشجعان همة اللى بيخربوها .. والأمثلة كتير ما تعدش ..

إِلّا ما فيه واحد طلع ابن حلال وقال ياد عيب دا خير البلد للكل مش لينا احنا بس .. لا ودى تيجى !!
طبعا الكل جرى وهبش وقعد يعبى وكأنه بيعبى من جيب أبوه، طيب ماشى سرقتوا واتبسطوا وكلتوا واشبعتوا ماشى يا عم .. شغلوا فلوسكم بقى فى البلد اللى سرقتوها وأهو يبقى رديتوا جزء من جمايلها عليكم، لا ومين يلعب قمار فى أوروبا ويعمر فيها غير الأندال دول ؟!

أما الباقى فقال استثمر فلوسى فوقع باردوا فى حرامى زيه وما حصل لخِيرة وعِلِية القوم من أبناء بلدنا المبجلين .. المليانين فلوس اللى من كتر فلوسهم بقوا مش عارفين يودوها فين كشف المستور بعد ما "ظبّطهم" البوشى وهدّ المعبد على راس اللى فيه، وكأنه بيقولهم:" اللى بييجى بلوشى بيروح بلوشى " أو بياخده البوشى ..!
دائما هناك أسئلة نعرف إجاباتها جيدا لكن ليس لدينا الشجاعة الكافية لنطقها أو مجرد التلميح لها.. احنا كدا .. وبلاش أفسر أكتر من كدا، وبرغم ذلك لا نمّلْ من ترديدها حتى ولو همسا .. خوف.. جبن .. ندالة .. دقة نقص ..هيافة، سميها أى حاجة بس سبنى الله يخليك أربى العيال .. وبعدين وأنا مالى أتحشر فى إلى ما ليش فيه ليه .. هه ؟!

ماذا يريد أصحاب المال من هذا البلد أكثر مما أخذوا ؟!
وماذا فعلوا بما نهبوه، ماذا سيفعلون بأموالهم وهم محرم عليهم دخول بلدهم إلا محمولون على الأكتاف إلى مثواهم الأخير واللعنات تلاحقهم، وكأن الوطن لفظهم من جسده كعضو فاسد أعى وأدمى الوطن ؟!

أين ممدوح اسماعيل، و رامى لكح، والريان، و ريان مدينة نصر، أين الخائنون والفاسدون، وغيرهم وغيرهم ..
أين الأعضاء الفاسدة من جسد الوطن ؟!
وأين البطل الهمام الجديد نبيل البوشى اللى خلع بـ 350 مليون جنيه ؟!

العجيب أن الناس فرحت فى أصحاب الفلوس اللى لطشها البوشى وغيره وأخذوا يرددن فى نفس واحد " أحسن .. يا ريته كان أخد عنيهم .. " الله عليك يا شعب مصر، الكل يعرف أن من نهبهم البوشى يستحقون النهب، وعلى رأى المثل الجديد " اللى بييجى بلوشى بياخده البوشى" إحنا كدا بنصنع من خيبة الأمل نكتة لنضحك أو لنبكى على ما وصلنا إليه، نضحك بها على أنفسنا لنخفى الألم الذى يعتصر قلوبنا حزنا وحسرة ..

ماذا لو شغلوا الفلوس دية فى البلد والكل عاش، لماذا لم يستثمروا أموالهم فى مشاريع تخدم البلد وتخدم أبناءه الذين تملكهم اليأس فى الحصول ولو على أقل القليل من حقوقهم؟!

ألم يعرف أصحاب هذه الأموال أن تشغيلها فى البلد سيكون أضمن لهم من بنوك سويسرا واستثمارات الغرب، وقد رأينا ما كشفته الأزمة الاقتصادية من مصائب وقع فيها " الهليبة " من نصابين العرب وأصحاب البترول والثروات الطائلة الهائلة، عندما قامت حكومات بعض الدول الأوروبية بالسطو على أموال العرب التى لديهم، ولم يجرؤ أحد منهم أن يقول انضحك عليه من الغرب، وأخفى" خيبته وقال ياحيط دارينى ليعرفوا اللى كان عندى " .

المال ليس كل الحياة، والحياة ليست فى جمع المال ..
الحياة هى أن يعيش الإنسان فى أمان لا يؤذى نفسه ولا الآخرين، أن يعيش بحب وسط من يحب، لا أن يجعل همه فى جمع المال وما نهبه من حلال أو حرام والهروب به، فالله أخلفنا فى الأرض وفيما عليها من خيرات وجعل الإنسان مالكا لها لخدمة أخيه الإنسان قبل نفسه.



تشترى شعب .. !!

تشترى شعب ؟!



لا ترقى الأمم إلا بالعمل والتقدم والرقى والابتكار والاختراع، وفوق كل هذا إعطاء الفرصة للشباب فهم مستقبل أى أمة، فتقدم الأمم ونجاحها يقاس بالنظر إلى شبابها، فإذا كان يعمل بضمير يقظ وحِسْ وطني وشعور بالمسئولية فهي أمة قوية متماسكة عظيمة، وإن كان شبابها لا يقوم بشيء مما سبق فهي متخلفة وفى ذيل ركب الإنسانية .. نعرف ذلك جيدا ولا نطبق ولا نسمع الكلام.



الأدهى من هذا ويبكى ويخلى الأقرع يشد فى شعره لا نتعلم الدرس، وحياتنا كلها متناقضات وازدواجية فى التفكير والتصرفات، وانفصام فى الشخصية ـ يعنى بمية وش ـ فنجد الواحد منّا دائما لا يخطئ، وأنه ملاك وباقى الناس فى نظره ولاد ستين فى سبعين وبتصيدولوا الأخطاء بل يخترعونها له، ولا يشغله إلا كيف ينتقم لنفسه، وأغلب هذا المشاكسات تكون فى زملاء العمل " التيم وورك يعنى" .. إنما نفكر فى حل أوتطوير أو اختراع أوفكرة جيدة تخدم العمل والناس والوطن "إليئة" ـ لأ .. ـ بس برخامة وتلاحة وغتاتة ورزالة وكل أنواع العبط إللى ما أنزل الله بها من سلطان .. ناس مين يا عم ووطن إيه بلا هَمْ .. ما دام أخر الشهر بمد أيدى وأاخد المرتب على داير سحتوت يبقى خلاص .. تولع.


وضعنا أنفسنا بتصرفاتنا وقراراتنا الخاطئة فى مأزق بل مصايب جمة، وحتى لا نلوم أنفسنا ونجلدها، نتحايل ونكذب ونتلولو زى التعابين والبهلونات لنهرب من عملتنا المهببة بأقل الخسائر وفى أحيان كثيرة بدون خسائر من أصله، ونجد فى إلصاقها بالآخر مخرجا سهلا ، حتى أعطينا الشماعة لمخطئ آخر ليعلق عليها أخطاءه ويزيد همومنا هما ونكدا وتأخرا وتخلفا والبقاء محلك سر.



كان لابد من صياد يستغل هذا الهبل المنتشر، فظهروا الهليبة والنصابون والناس اللى بيبيعوا الهوا فى قزايز، وحياتنا مليانة بنماذج كثيرة استغلوا فينا الضعف والكسل واللا مبالاة المنتشرة فى أفعالنا كالسرطان، نمازج رأت فينا العجز عن إدارة حياتنا فأداروها بحجة أنهم المصلحون الجديرون بالسير بنا وسط الأمواج العاتية، فسرقونا وبهدلونا ونصبوا علينا وشربونا بوظة ـ من البوظان ـ وهو مشروب يصيب الإنسان بالعته والوخم والبلاهة والبلادة فيصبح كالدمية لا نفع فيه.


ألم نسأل أنفسنا .. لماذا يهرب الشباب ـ اللى همة عصب الأمة ودعائمها ـ سفرا وبأي طريقة إلى بلاد الغرب .. مُعرِّضين حياتهم للخطر والموت غرقا ؟!
لماذا نعيش حالة من التوهان، والعيش فى الخيال والأحلام للهروب من الواقع ؟!
ألم نسأل أنفسنا أين حقوقنا الضائعة وفرصنا المهدرة، وحقنا فى حياة كريمة تحفظ آدميتنا وتشعرنا بأننا بشر؟!



تآمرعلينا الفاسدون .. فلا مكان لمجتهد ولا متفوق ولا عبقري ولا مخترع .. « سيبك من كل ده، معاك واسطة..انت ابن مين »؟ وهنا .. إما الهرب من الظلم لأحضان أوروبا أو سلوك طرق ملتوية للنصب على خلق الله .. أو القيام بأى عمل يضمن لنا البقاء على الحياة !!

خدعونا صغارا فقالوا إن كل ما على الأرض من خير ملك لكل الشعب، وعندما كبرنا اتضح الزيف وانكشف الخداع، ووجدنا ما على الأرض ملك لأشخاص بعينهم، بالطبع لسنا منهم، هم أصحاب" الحظوة والشللية من ولاد الكـ..."

تعالوا نبص فى حتة تانية من البلد ... إلى المصالح الحكومية ومؤسساتنا القومية والقطاعات المهمة والحيوية، وغيرها من شركات ومصانع، وحتى محال تجارية نجدها مليئة برجال التصقت مؤخراتهم بالكراسي عمدا، مقابل الطاعة العمياء وعدم إثارة المشاكل التي تقلق رؤساءهم، وبالتالي تهدد وظيفته التى ظن أنه ورثها ولن يتركها إلا لأحد ورثته.


فكرة تانية سهلة خالص .. لو عملنا حصرا في قطاعات العمل المختلفة، حكومية وغير حكومية سنجد أسرا بكاملها تعمل في مكان واحد .. الأب والابن والزوجة والأخ والأخت وأنواع كثيرة من درجات القرابة، والكل يُفوِتْ لبعضه وهيصة يابا .. أعلى بوظة بالمهلبية والكوسة والملوخية، والتيجة مصالح ناس متعطلة علشان ابن الهانم المديرة اللى شغال محاسب فى مديرية ماما ما جاش النهاردة أصل عنده ميعاد مع الموزة، دا مثال بسيط والمصايب أكتر من كدا بكتير وكتير قوى .. يووووه ماتعدش البلد كلها قرايب فى بعض، وكله بيخدم كله على قفى الشعب المتنيل على عينه !!!

سادت المحسوبية والكوسة والتفويت، وانتشرت كلمة « معلش وعشان خاطري وهو يعنى جات عليه »..« يا عم سيبها لله ».. كلام نسمعه كثيرا وضِعَ لتقويض أمة وخراب دولة، وتضييع وقتل مواهب وعقول وزهرة شباب شعب، والنتائج نصطلي بلهيبها الآن .. شباب مُغَيَّبْ علما وخلقا وانتماء ودينا وشرفا ووطنية ..

شباب نتيون ودشيون وديسكاويون، شباب الأنفاس والبوكسر والجيل، والزفت الأزرق إن كان فيه أزرق .. غلاء أسعار، وحوادث قتل وتخريب وعمارات تنهار وعَبَّارات تغرق، وشباب يقتتلون على خمسة جنيهات، وسرقات في عِزْ الضُهر، ونصابين على كل شكل ولون، جميعهم اتفقوا على نهب البلد ومَصْ دماء الغلابة، والمتاجرة حتى فى أجسادنا وبيعها قطع غيار لمن يدفع أكثر .."بيقولوا أحسن قلب وكبد وكلى وبنكرياس وعيون وضوافر موجودة عندنا .. تخيلوا " استبدلوا ما تلف من أجسادهم بأعضاء من أجسادنا، وتبادلوا كؤوس الخمر في بارات مارينا وشرم الشيخ ونوادي أوروبا ..


يمكن ييجى علينا يوم ويبعونا شروة واحدة ويخلصوا .. مش بعيدة فى يوم نلاقى أولى الأمر من أسيادنا اللى ضيعونا وخربوا بيوتنا رابطين كل مواطن بسلسلة وملبسينه برنيطة أوروبية وحاطينله برفن ـ يعنى ريحة .. كالونيا ..عطر ـ والابتسامة مالية وشهم وهمه بيقولوا للسماسرة " تشترى شعب" !!!

الثلاثاء، 20 يناير 2009

اتوبيس الهنا


كل يوم كالعادة استيقظ من نومى بضرب الجزم لألحق بأى ركوبة وسط أمواج من البشر يتنططون فوق العربيات كقرود وجرزان أفلام الكرتون.. وبشق الأنفس والمزاحمة بكتفى والدفع بيدى وبرجلى استطعت ركوب الاتوبيس لأقف أمام اتنين قاعدين وهم فى قمة القرف " وأنا طبعا واقف فى الطرقة اللى بين الكراسى "
شكلهم موظفين.. وشكلهم طافحينه من العيشة واللى عايشنها .. وشهم بيقول الخناق للبيع ..
نفسهم يتخانقوا مع أى حد وخلاص، دار بينهم حوار غريب الشكل .. تخيلوا انتماءهم الكامل لقناة الجزيرة، ما بيثقوش فى أى خبر بيسمعوه من أى قناة من اللى ماليين فضاء العالم، وكأن الجزيرة هذه ملاك طاهر.. لا تكذب ولا تخون ولا تدعى الصلاح.. مع إنها مصيبة لابسة خيبة وماشية فى وسط العرب بظيطة وظمبليطة وعامله فيها خايفة على مصلحة العرب ..

وتعالوا نرجع لورا شوية.. مش كتير، منين طلعت الطيارات اللى ضربت إخونا فى العراق سنة 2003 وقبل كدا ؟!
اقولك أنا .. من قاعدة " العيديد " و " السيلية " بقطر الشقيق .. ركِزوا شوية والنبى على كلمة " الشقيق " .. يعنى أختنا وبنت عمنا ومن لحمنا ودمنا، ومن المفروض اللى يهمنا يهمها واللى يبصلنا بعين تبصله بتنين .. تربينا على كدا، وعلمونا أهالينا إن" اللى يفوت أخوه ويعيش لوحدة يستاهل كل اللى يجراله"..
وعلى رأى المثل " ما يشيل همك إلا اللى من دمك ".. و تعالوا نشوف بلاديتنا اتكلموا عن الجزيرة إزاى ..
التفت الرجل بجسده كله ناحية الجالس بجواره فوقعت عينه علىَّ .. نظر إلىَّ نظرة ريبة متعجبا من شكلى ومظهرى .. ربما شك فى أن أكون تبع أمن الدولة أو المباحث، إذ ما الذى حشرنى بينهم وأنا أرتدى بدلة بالشىء الفلانى..
وبرغم ذلك لم يتراجع الرجل عما نوى قوله، ولسان حاله يقول خربان .. خربانه .. هايسخطوك ياقرد !!!

-
تصدق بإيه..

- لا إله إلا الله .. ما حد قال كلمة الحق فى اللى بيحصل فى غزة غير قطر وقناتها الجزيرة، كشفوا للعالم سِمْ اليهود وجبروتهم وبطشهم بالغلابة اللى لا معاهم سلاح ولا يحزنون.. غيرشى شوية الحجارة اللى عمَّالين يحدفوهم بيها وصواريخ البمب اللى عمَّالة المقاومة تِحَدِفها عليهم كل شوية، لما جابت الكافية لأهالى غزة وقلبت عليهم اليهود.


- منك لله ياهتلر انت واللى زرع اليهود فى وسطينا، تخيل كدا منطقة الشرق الأوسط من غير اليهود، وتخيل العالم كله من غيرهم.. كانت الدنيا كلها هاتعيش فى سلام وأمان، ولا هايبقى فيه حروب ولا مشاكل ولا عصابات ولا اغتيالات، والدنيا هايبقى لونها وردى.


- وطى صوتك ربنا يهديك.. ما هياش ناقصة

وهمس فى أذن الآخر وهو يسرق النظر اتجاهى، محاولا عدم جزب انتباهى لهما.


- أصل اليهود اليومين دول عملوا قانون جديد، ووافقت عليه الأمم " المنتحرة " ..

بيقول: إن أى حد يتعرَّضْ لليهود بالشتِيمة أو بأى لفظ مُشْ على مزاجها هايحاكموه دوليا، كمجرم حرب وهايكون مصيره يا حبل المشنقة زى صدام حسين أو " جوانتاناموه " يقضى عمره هناك يلعب مع الكهربة والكلاب السعرانة، واحنا مش عارفين الأفندى " المتقمع " اللى واقف فوق روسنا ده تبع مين .. كل عيش وربى عيالك .. احنا مش عارفين الضرب هايجيلنا منين!!

- بس بصراحة قناة الجزيرة والمراسلين بتوعها عملوا اللى ما حدش عمله.. دا إحنا اللى هوه احنا بتوع الحضارة والتاريخ ما عندناش قناة زيها مع إننا رواد الإعلام العربى وهلوود الشرق ما حصلناش ربعها، وكل أخبارنا اللى كانت بتتذاع منقولة من قنوات أجنبية.. وكأن الأجانب ما بيكذبوش ولا بيضحكوا علينا، مع إنهم موكلينا البالوظة.
" والله ما أنا عارف يعنى إيه بالوظة.."
حاولت أن أبحث فى المعاجم وكتب اللغة عن معنى لها فلم أجد، لكن ـ والله أعلم ـ هى حاجة كدا معناها الضحك على الناس وخداعهم بأكاذيب...

الأربعاء، 14 يناير 2009

غريق في العاصمة

قصة قصيرة



« إوعاك تفتكر إن الناس في مصر ها يقابلوك بالورد، وهتلاقى كرسي ومكتب، ويقولولك اتفضل ياباشا، يا بني البلد مليانة شهادات وماهياش ناقصة، اقعد ربنا يهديك، بلاش وجع قلب ».

مادمت أسعى وأسير فى الأرض، فأنا فى طريقي إلى المستقبل، فالأشياء المستحيلة تظل مستحيلة إذا لم نخضها ونحاول معرفتها..
ـ « هادعيلك فى كل صلاة، وهاطلب من الله يرزقك ويرعاك، ويحبب فيك خلقه منين ما تروح، ويوقفلك ولاد الحلال، بس إياك تنسى أمك وتاخدك الغربة ».
كلمات يرددها صدى الماضي ورجع السنين كلما ألمت به ضائقة، يتذكر دعاء أمه، ولوم صديقه .. الحياة صعبة بل مستحيلة وسط بشر مثل الآلات، نزعت من صدورهم القلوب وحَلَّ مكانها الصخر والحنضل .. بشر لا يعرفون الرحمة..
«آه يا أمى..!! شفت كتير والعمر بيجرى ولا فايدة..»

ـ الحياة فرص فإذا أتتك الفرصة فتشبث بها ولا تدعها تضيع منك فتندم العمر كله، كُنْ صبورا ولا تستعجل الأقدار؛ فكل شيء على وجه البسيطة بمقدار، واعلم أن حيلة من لا حيلة له.. الصبر.
ـ خمس سنين بتجرى فى بلاد الناس وما عملتش حاجة، نفسي أفرح بيك قبل ما أموت، نفسى أشوف عيالك وأشوفك سعيد، عمرى ما خفت على حد من عيالى زى ما خفت عليك، فوت مصر وتعالى بقى يا ابنى، كفياك بهدلة ومرمطة.. أنا عارفاك دماغك ناشفة وما هاترجعش عن اللي فى دماغك.. أقولك إيه؟! ربنا يدينى عمر وصحة وأشوفك وصلت للى أنت عايزه وعايش سعيد.

الذكرى الجميلة تقتحم حاضره التعيس، وجه أمه المحاط بالطرحة البيضاء وهى تتمتم بالدعاء والتسابيح عقب كل صلاة، وصوت والده الحنون وهو ينصحه ويحذره من الدنيا والناس،وجلسة العصارى مع أصحابه على شط الترعة وهم يروون الحكايات ويأكلون الفول الأخضر والطماطم من أرض الحاج عبده، إحساس مؤلم ينتابه، وذنب كبير يتمثل فى تركه لأهله وبلدته وجيرانه وأصحابه، يدفع ثمنه الآن من عمره ووحدته وعيشته بين الأغراب وتجاهل الناس له وظلمهم، لازم تدفع عمرك ودم قلبك لتحصل على عمل، لازم تتعلم الكذب والنفاق، لازم تكون بمائة وجه لكي تستطيع العيش، وفوق هذا كله لابد من الواسطة «والضهر»، وبما إنك لا تملك شيئا من هذا، فلا يمكنك أن تعترض أو تدفع عنك ظلما، وما عليك إلا أن ترضى بالواقع وإلا....!!
ما الفرق بيني وبين الغرقى على شواطئ أوروبا؟!
كلانا يبحث عن نفسه ..عن آدميته، عن كينونته المفقودة بين طواحين الفساد ورءوس الأموال والنفوذ الطاغي، كلانا يلاطم الأمواج، لا فرق بين أمواج البحر القاتلة وأمواج الظلم المستشري .. المحصلة واحدة..!
كلانا هرب من الفقر .. بحثا عن أمل متراقص فى مخيلة متفائلة بأن « الدنيا حلوة » وستضحك لنا الأيام..!!

كلانا ترك الأهل والخلان والناس الطيبين، ليلقى بنفسه بين بشر فاقد للضمير .. للوعي .. للإحساس، فاقد لكل معنى جميل فى الحياة .. كلانا مات بطريقته التي سعى إليها .. غرقا كان أو ذلا وهوانا، لم يعد الحلم الجميل الذي راودك فى الصغر يأتيك، لم يعد الأمل المرسوم فوق جبينك يرتسم، لم يعد يؤرقك المستقبل ..!!
خمد كل شيء، إما فى بحر مظلم أو وسط بشر يسرقون حقك ويرقصون فوق أشلاء الحلم المتحطم .. لتعيش حياة ليس فيها حياة، غريق فى البحر وغريق فى العاصمة، وما بين الاثنين تقف نداهة تتشح السواد، تصرخ أحيانا وتندب
أحيانا..!!



نشرت بجريدة الأهرام الطبعة العربية
الأربعاء 12 ديسمبر 2007

الحساب


تسير في نفس الطريق.. تدخل نفس المكان.. تجلس إلى نفس المنضدة.. يأتي نفس الجارسون.. يبتسم بلطف وينحني لتحيتك..

ـ تحت أمرك يا فندم

تنظر في ساعتك.. تتظاهر بأنك تنتظرها، وتطلب نفس العصير الذي تحبه هي .. تنظر إلى الكرسي المقابل لك الذي تشعر فيه لأول مرة أنه جماد.. تتجسد أمامك بوجهها الضحوك السمح، وعينيها الناعسة وفمها المرسوم وثغرها البسّام وخصلات الشعر المتدلية على جانبي الوجه وأعلى الجبهة.. ترتاح نفسك للذكرى .. تشعر بالنشوة وإحساس بالوحدة يجتاح كيانك.. يطوف بقلبك في المكان، عبيرها الزكي الرائحة يشغل الفراغ الذي بينك وبين الكرسي .. تمتد يدك بهدوء على المنضدة .. يضع الجارسون العصير فتنتبه ويتملكك الخجل .. ترتبك .. يتغير لون وجهك .. تضطرب ملامحك .. تبتسم ..

ـ شكرا
..

يبتسم الجارسون ابتسامة ذات معنى .. ويهرب طيفها من بين دوائر دوامة عقلك المزدحم بالذكريات لتجد نفسك وحيدا غريبا.. يضيق بك الفراغ الفسيح ويضيق صدرك، وتتناثر الأحزان من حولك ويقتلك الندم .. يعصف بك المكان رغم سكون الهواء .. تجدب بك الحديقة رغم كثرة الورود والأزهار .. تتلفت يمينا ويسارا.. تدور بعينيك في المكان .. تطأطئ رأسك بحسرة ..

- ما فائدة الحب ولما ذا نحب ؟!
- عندما أنتهي من دراستي سأعمل في أي شىء وأتقدم لخطبتك

- تنتهي من دراستك !! ثم تشتغل .. ثم تتقدم لخطبتي .. ثم .. ثم .. كم من العمر سيمر حتى تحقق هذا ؟! سنة.. سنتان.. ثلاث.. خمس.. عشر، نحن نعيش أحلاما وردية نرسمها بخيالنا وطموحنا ومستقبلنا المجهول، نعلق الآمال والأمنيات على مصير متأرجح في زمان تلاشت فيه كل الطموحات، وأقدار تلهو بنا كريشة في مهب الريح .. لن نكون لبعض .. انظر إلى ساعتك التي تزين بها معصمك، من الذي اشتراها؟! لقميصك المستورد وبنطالك الشيك، وهذا الحذاء الإيطالي الفخم.. من الذي دفع ثمن كل هذا؟!

يشعر بالخزي.. ينظر في الأ رض يتمنى أن تنشق وتبلعه ليهرب من الإجابة..
- والدك.. أهو الذي سيزوجك ؟! أهو الذي سيدفع إيجار الشقة .. دا إذا وجدناها من أصله ؟! أهو الذي سيعطيني مصرف البيت ؟! أهو الذي سيعالجني إذا مرضت ؟!
يصرخ في وجهها مشوحا بيده ..
- كفى .. كفى
تهدأ ثورتها .. تنظر في الأفق البعيد كطير يشتاق للطيران في الفضاء الفسيح، بعيدا عن قيود الحياة، ويسري الصمت بينهما في تسلل، ليغلف المكان بالسكون .

قامت من جلستها حتى استبان وقوفها، وأنت مازلت جالسا في ذهول لا تصدق ما يحدث .. ترفع عينيك إليها.. تتأملها .. تحجب دمعا يتموج فيهما، يترقرق في مآقيهما .. نظراتك تتوسل لها .. تترجاها ألا تتركك، أن تبقى بجانبك .. كل هذا يجول بخاطرك .. تنطقه عيناك، لكن يعجز لسانك عن النطق به، فأراحتك من هذه النظرات ..

- من لا يستطيع أن يتوج حبه بالزواج فلا يوجع قلبه بنار الفراق ..

وتركتك ممتقع اللون .. مدمع العينين .. يحاوطك الفشل .. يوجعك الفراق .. يلسعك الألم، وتدور بك الدنيا، وشرعت تهرول في مشيتها المرتبكة وأوصالها المتخبطة.. تحاول الخروج بأقصى سرعة حتى لا ينثني عزمها عما نوت .. رعشة تسري في جسدها .. خطواتها ثقيلة تجر قدميها الملتصقتين بالأرض .. بحزر شديد نظرت لتجدك منكمشا في الكرسي .. منزويا في المنضدة، تحتضن زراعيك بخوف مطأطأ رأسك عليهما ..
شيء دافئ ينساب على خديها .. ضباب يكسو الطريق أمامها وسحب من الدموع تتابع في غيمة عينيها، وضعت ثقلها على قدميها بعناد وخرجت .. يأتي الجرسون يرفع كوب العصير .. تنتبه لتصحو على ما تبقى من الحب .. الطريق .. المكان .. المنضدة .. الجارسون .. تُخرٍج حافظة نقودك التي أهدتها لك في عيد ميلادك الأخير .. تتحسسها بيديك المرتعشتين .. يئن قلبك .. يقطر دما .. تحن جوارحك، وتشعر بالراحة بوجودك في هذا المكان .. صوت يأتيك من بعيد .. تلتفت .. الجارسون يبتسم :

ـ « الحســــــــــــــاب .. » !!

دعاء


بسم الله الرحمن الرحيم

إذا ضاقت بك الدنيا فقل يا الله..

إذا ظلمك الناس وتخلى عنك الأهل والأصحاب فقل يا الله ..
إذا جاءتك الدنيا بخيرها وحلوها ومرها فقل يا الله..
إذا تاهت مِنكَّ الطرق وسِرْتَّ في الدروب بلا مقصد فقل يا الله ..
إذا ضعف البصر ووهن العزمْ وتسلل العمر منك
ووجدت الشيب دب وريح العجز والشيخوخة هَبْ فقل يا الله ..
إذا ذهب الأحباب والأصحاب، وأغلقت الوحدة عليك الباب
ووجدت نفسك وحيدا حزينا، فقل يا الله..
إذا حُرِمْتَ المال أو العيال أو الاثنين معا فقل يا الله ..
إذا أُصِبْتَ بالإعياء وحَلَّ بك الداء ولم تجد المعالج أوالدواء فقل يا الله ..
إذا ارتعشت اليد واهتَّز القَدْ وناءت بحمل جسدك الأقدام فقل يا الله ..
إذا ضاق صدرك ونهشك الملل وصرت بين الناس في حلٍ ورحال فقل يا الله..
إذا أنكر الناس معروفك وقالوا عنك ما ليس فيك وبالأكاذيب وصموك فقل يا الله..
إذا ظُلِمْتَّ وعجزت عن الصد أو الرد وقِلّة حيلتك فقل يا الله..
إذا جاءك الموت بغتة فاجعل آخر نبضة في قلبك يا الله..

... فمن بيده مقاليد الأمور وتصريف الأقدار غير الله ..
من بيده الحياة والموت غير الله ..
يا الله .. يا الله .. يا الله ...
يسر لنا الحياة في الدنيا واغفر لنا فى الآخرة ..
ولا تأخذنا بذنوبنا.. والطف بنا يا مولانا فيما جرت به المقادير ...
يا رب ... يا رب ... يا رب
آمين .. آمين
آمين


البرواز الذهبى

قصة قصيرة
نُشِرت بجريدة الأهرام المسائى
فى 27/3/2007
سوف تجلس العمر كله هكذا .. لقد أدمنت القرفصاء كالمصطلى بنهم فى ليلة برد قارس يلعب فيه السقيع دوره ليبدد دفء الأجساد إلى برد مفرط .. تضع ذقنك المدببة على رُكْبَتَيك .. تشعر بالراحة الجسدية لهذا الوضع، لكن أين راحة العقل وأنت تجلس تتألم وأنت تتأمل ذلك البرواز المعلق على الحائط المقابل لك .. لقد تعودت على هذه الأريكة المقابلة للبرواز، حتى أصبحت جزءا منك .. تتأمل الكلمات المكتوبة بداخله .. تسخر منها .. تمقتها .. كلمات رنانة ذات وقع فخم على أذن السامع لها .. تشعر صاحبها بالفخر .. الفخر فقط، لكن أين الطموح .. الابتكار .. المستقبل .. العمل .. الوظيفة !! لا شىء ، ينظر .. يرمق .. يدقق .. يغمض عينيه .. يهز رأسه بعصبية ثم ينفث زفيرا تهتز له شفتاه، ثم ينفجر فى ضجر .. يا ليتنى ما قضيت كل هذا العمر أسعى جاهدا وراء هذا البرواز.
تأتى والدته على صوته المدوى بأركان البيت المترب، فما عادت الأم العجوز تهتم بالحياة .. يسكن قلبها الحزن منذ أن تخرج ولدها الوحيد .. وهى تراه محطما مكتئبا، كل الأبواب توصد فى وجهه، ويعود يجلس جلسته المعتادة لساعات طويلة يتأمل البرواز، ترقيه .. تتألم لأجله، لكن ما باليد حيلة .. تجلس بجواره .. تطيب خاطره .. تواسيه .. تخفف عنه بالكلمة المعتادة : "الصبر يا ابنى .. " يرفع رأسه القابع بين ركبتيه، وينظر لها بألم وحسرة .. بعينين تتموج فيهما الدموع كموج بحر هائج فى يوم عاصف، وما أن تتقابل العيون حتى تنهمر الدموع بفيض ترسم على خديه مجرى لسيلها المتدفق ..
- لقد يئست يا أمى .. كرهت الدنيا .. كرهت نفسى .. كرهت ملابسى .. كرهت البرواز .. كرهت الفراغ الذى بداخلى ويحيط بى .. من أنا ؟!
أين كينونتى ؟! أين وجودى كإنسان مجتهد .. أين جهدى طيلة سنوات التعليم ؟!
كل هذا لا شىء .. لاشىء !!
أربعة أعوام من الجهد والتعب والسهر والمذاكرة والقلق والترقب والنجاح بتفوق فى كل عام .. أين كل هذا ؟! ما فائدة هذا البرواز وما فائدتى ؟!

يهدأ فى حضن أمه .. يرفع رأسه للبرواز فتقع عيناه على ما بداخله ..
" تشهد جامعة القاهرة أن الطالب صلاح محمد المنياوى قد حصل على بكالوريوس العلوم - قسم كيمياء - بتقدير امتياز .......".
يطأطئ رأسه المتخوم بالأشياء .. " ألف مبروك يا صلاح أنت المرشح الوحيد بلا منافس للتعيين معيدا بالقسم .. وما أدراك ما معيد .. يعنى مركز مرموق، وشهرة وعلم وحياة كريمة مترفة وفلوس وغيره .. ألف مبروك انت تستحق ذلك ..
يضحك صلاح .. تلمع عيناه بدموع الفرح .. ملامحه تبتسم .. وجهه مشرب بالفرحة، لقد وصلت يا صلاح إلى ما سعيت وتمنيت، لقد حققت الحلم ووضعت قدميك على أولى درجات سلم العلم والارتقاء والتقدم والاكتشاف وتحقيق الذات وإثبات أن المصرى عبقرى متميز فى كل المجالات .. الآن تسطيع أن تكون ..
يمشى فى الشارع بفرحته .. يحتضن الزحام والأشياء بعينيه المتراقصة بالفرحة .. يدخل بيته بثورة من التهليل والتحميد على فضل الله عليه .. يحتضن والدته ويدور بها فى ردهة البيت .. ابنك أصبح معيدا بالكلية يا ماما .. زغاريت تملأ البيت .. الجيران والناس يهنئون والحلوى والمرطبات توزع على كل آت وذاهب.

وسكن الليل ونامت كل العيون ولم تنم عيناك ولم يغمض لهما جفن من فرط الفرحة .. أخذت تراجع تجاربك اختراعاتك مقترحاتك مهاراتك أفكارك العبقرية ..
وبدأ الصبح ينشر نوره، وتسربلت شرفتك بضوء النهار، وفى رقة ونعومة تسللت إشاعة الشمس لحجرتك، فترى فيها إشراقة المستقبل .. تتوضأ تصلى الصبح وتتبعه بركعتى شكر لله .. ترتدى أشيك وأفضل ما لديك من ملبس .. ترتب حقيبتك الكيميائية .. تتهيأ أمام مرآتك .. تصفف شعرك .. تنظر له بزوايا عينيك من كل جانب فى المرآة .. تُقَبِلْ يدى والدتك فتدعو لك ثم ترقيك بالمعوذتين وآية الكرسى ..
ويخرج مبتهجا للكلية، يدخلها وهو يداعب كل من يقابله .. يتبادل التهانى مع زملائه .. يقترب من بعض زملائه فى القسم، ينظر لهم .. الوجوه عابسة .. النظرات مشفقة لا يبالى ويمضى .. يقابله صديقه وزميله المقرب محمد، يجده حزين الملامح، فيقترب منه يسأله ..
- ما الذى حدث فالوجوه بها أشياء تقلق ؟!
ترتعش يده التى تحمل الحقيبة، وقدماه التى تحمله .. ألم تعلم بما حدث ؟
صلاح يحاوطه الخوف والترقب لكلمات محمد ..
- ماذا حدث ؟! محمد يتردد فى إخراج الحروف .. يشعر وكأنها طلقات ستصيب صديقه ..
- ابنة رئيس القسم أخذت مكانك .....
تسقط الحقيبة من يده وتسقط معها كل الأمنيات ...
- كيف ..! وأنا الأول على القسم ؟!
- أنت الأول على القسم .. لكن والدك ليس رئيس القسم ... ؟!!

السبت، 10 يناير 2009

القُرّاضة

دموعك نار بتحرق قلوبنا
ابكى يمكن الحجارة تلين
عمرك يا ضى العين ما هاتنسى المشهد
وتقضى باقى العمر حزين

رجل بسيط لم يتعلم لا القراءة ولا الكتابة، لكن ما تعلمه من الحياة، ربما يكون أوقع وأبلغ مما تعلمه المتعلمون من أصحاب الشهادات العليا واصحاب المقام الرفيع فى مختلف مجالات حياتنا ....


الرجل بكل بساطة وعفوية رد على سلام صديق له قائلا :


- الحمدلله .. بخير بس ربنا يبعد عنّا القُرّاضة

اسغرب الآخر من رده وفكر مليا فيما يقصده الرجل ..


- القُرّاضة ..!!
- مش عارف القُرّاضة إللى عمّاله تاكل فينا واحنا مش داريانين .. ادعى بس انها ما تخشش علينا بعد ما تخلص على إخواتنا إللى عمَّالين يحدفوها بالطوب ..


وبدأت أفهم ما يقصد الرجل .. لكن بلدياتنا ما زال يهرش فى قفاه ..
ابتسم الرجل ابتسامة لا يمكن وصفها، ربما تكون ابتسامة خوف أو حزن أوسخرية أو ألم أو كوكتيلا من الأحزان والأشجان ...

- اليهود هجموا على غزة ياكلوا فى أهلها زى القُرّاضة بالظبط .. ما بيرحموش لا عيل ولا نسوان ولا كبار فى السن .. ما بيخلوش .. شفت القُرّاضة لما بتمسك فى حاجة .. أهم اليهود زيها بالتمام .. ناويين ما يطلعوا من غزة إلا ومخلصين على إللى فيها .. وياعَالِمْ بعد كده هاتروح على فين ..
أنا سمعت إنهم عاوزين منطقة غزة منزوعة البشر .. زى كده اللبن بتاع البندر منزوع الدسم .

وسِمعتْ إنهم عايزين يُطرِدوهمْ على سِينَا علشان يعمَّرُوهَا ويُقْعدوا فيها ..
أصلْ اليهود ملاعين، قالوا بَدَّلْ ما سِينَا فاضية ومُشْ لاقية اللى يعمرها نِنْقِّلْ بتوع غزة هناك .. ويبقى كده ضربوا غُرابين بطلقة واحدة - المثل الدارج والمعروف هو عصفورين وبحجر وليس طلقة، ولكنى فهمت من طريقة الرجل أنه يسخر، فبَدَّلَ العصفورين بغرابين والحجر بالطلقة - وبكده يَخْلَّصوا من غزة ويمهدوا لاحتلال سِينَا مِنْ تانى بحِجِةْ القضاء على المقاومة ..


الرجل الآخر يُنْصِتْ إلى صديقه باهتمام يشوبه الخوف المخلوط بالدهشة والرعب .. وفجأة وجدته يُلِمْلِمْ جلبابه مُتَلَفِتًا يُمْنَة ويُسْرَة كأنه يخشى شيئا أو يترقب دخول أسد عليه .. ثم اقترب من أذن الآخر هامسا فيها ..


- عَلِىَّ النِعْمَّة انت رَاجِلْ طَيِبْ .. انت مِصَّدِقْ إنْ الإسرائيليين مُشْ عارفين مكان المقاومة، دا يا ابنى خُرمْ الِإبْرَة فى غزة عارفينه وعارفين مين صاحب الإبرة ومين اللى بيقعد في الخُرمْ .. دى حِجَّة اتحَجِجِوا بِيهَا علشان يطَفِشُّوا الناس اللى فيها، وفرصة والعالم مَلْهِى فى المجاعة اللى داخلة علينا، وفى بوش المضروب بالجزمة، وفى أعياد الميلاد والسنة الجديدة اللى بشايرها بَانتْ قَبِلْ مَّا تِبْدَأْ، واللى غَطَى وِوَطَى فوز باراك بِتَاع أمريكا ..
عَلْىَّ النِعمَّة أنا خايف يطلّعْ ابن عَمْ إيهود باراك بِتَاع إسرائيل .. وساعتها تُبْقَى كِمْلِتْ وقول على العرب السلام .. سلام إيه ؟!
قول فناء .. يارب استر وارحم عبيدك ...

الآخر يُنَكِسْ رأسه حزنًا ويأسًا وألمًا وعجزًا .. يتحدث بصوت واهن ونبرة تُنْبِىء بثورة من البكاء وفيض مِنْ الدموع ...


- يا أخى إلاَّ ما حَدْ دَخَلْ يحوش مِنْ العرب .. الكل قال وأنا مالى ..
وكأن الناس إللى عمّالة تتدبح كل يوم دى مُشْ مِنْ لَّحمِنَا ودَمِنَا .. طَبَّقنَا المثل اللى بيقول :" تولع ما دام بعيد عنى .. "مع إن اللى قال المثل ده النار حصلته وولِعْ ..
أنا نفسى يا أخى تبقالنا كلمة وهيبة والكل يعمل لنا حساب .. علشان لما حد يسمعنا يحترمنا ويعرف إن لنا كرامة ونقدر نعمل، بدل ما احنا عاملين زى المِعِيِزْ اللى سارح بيها الديب .. يعنى يا هايكلها يا هايكلها .. مَفِيشْ خيار تَالتْ، ولو فيه يبقى بارضو هايكلها ..!!

وتحدث الرجلان بكلام لا أستطيع كتابته .. واصفين الوضع فى غزة بأفظع الألفاظ والشتائم لاعِنِين كل مَنْ بيده شىء يُقدِمَهُ ولَمْ يفعل و يتقاعص عن نصرة غزة.


قُمت منسحبا من بين الرجلين قبل أن يوجهوا لى أى كلام .. ليس خوفا من شىء، لكن لأنى لو تكلمت سأصرخ وأولول، وربما أشد فى شعرى وأخبط فى اللى جنبى واقول اللى ما اتقلشى .. اللى بيحصل فى غزة كتير .. كتير .. كتير
كتييييير ؟!
.................................................

الأربعاء، 7 يناير 2009

ولا حد سأل .. شكلى بأدن فى مالطة




ساعات البنى آدم بيحس إنه عايز يتكلم مع أى حد ..

مش علشان زعلان من حاجة أو فيه مصيبة حصلتله .. لكن علشان نفسه يصلح وضع غلط ومش قادر .. إما لأن الناس مش عايزه تمشى صح أو لأنهم تعودوا على كدا وتربوا على كدا ..


وفى النهاية تكون هناك مصيبة وأوضاع غلط بتلخبط حياتنا وتخلينا ماشيين نبص ورانا ونتكعبل فى خطاوينا...


امتى هانفوق من التوهان إللى احنا عايشين فيه ده .. وامتى الإنسان يحسبها صح ويحكِّمْ عقله فى تصرفاته، ويتحمل مسئولية نفسه .. امتى نخاف على بعض من أى حاجة تجرحنا أوتزعلنا وتهيننا ؟!


آسف أننى كتبت بالعامية ... فبرغم أنها أصبحت لغة التخاطب فى المجتمع الآن، إلا أنها خطأ عظيم فى حق هويتنا العربية وتاريخنا، لأنها تصنع هوة بين الشعوب العربية وتباعد بينها، وتوجد خلافات واختلافات بين أبناء الوطن العربى الكبير ـ أقصد الذى كان كبيرا وأتمنى أن يعود كبيرا ـ حتى أصبحنا لانفهم بعضنا لاختلاف اللهجات.



آسف لتحدثى باللغة العربية .. لأنها ربما تكون صعبة الفهم .. بس جميلة فى المعنى والتعبير والأسلوب واللفظ، والأهم من كل هذا هى لغة الأصل العربى الذى بدأ السوس
ينخر فيه.......


بلا هَمْ وزفت أخضر ..
اتكلم بأنهى لهجة أو لغة مش عارف .. احلف مية يمين ما أتكلم وألغى المدونة وأكمم حنكى بحتت كوهنة قديمة علشان اتعلم الأدب وأبطل فزلكة ..... هافكر فى الموضع .

الاثنين، 5 يناير 2009

أول مرة تدوين!


أول مرة هدون النهاردة.. ويا رب ما تكونش آخر مرة!

لأن اللي هقوله .. خطير .. وكبير .. ومرعب..

وربنا يستر على الكل!!

هتخوض المغامرة معايا؟

عندك الشجاعة الكافية؟

مستنييك...
ادخل برجلك اليمين.

قائمة المدونات الإلكترونية